في لحظة تبدو فيها المنطقة على حافة إعادة رسم قواعد الاشتباك، برز اشتباك بحري غير معلن ليل أمس في محيط مضيق هرمز، لم تتبنَّه أي جهة بشكل مباشر، لا من الجهة التي نفّذت الضربة ولا من الجهة التي استُهدفت. هذا الغموض في التبني يعكس مستوى أعلى من “حرب الظلال” بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، حيث تمتد المواجهة من طاولة المفاوضات إلى الممرات البحرية الأكثر حساسية في العالم.
ما يجري لا يبدو حادثاً منفصلاً، بل جزءاً من اشتباك سياسي–أمني أوسع يوازي المفاوضات الجارية. فالتسوية المفترضة بين واشنطن وطهران تبدو اليوم أكثر هشاشة مما رُوّج له، بعدما تبيّن أن التسريبات التي تحدّثت عن تفاهمات نهائية لم تكن دقيقة، وأن كل طرف ما زال يحتفظ بأوراق ضغط أساسية على طاولة التفاوض، ما يعمّق أزمة الثقة ويؤخر أي اختراق حقيقي.
داخل الإدارة الأمريكية نفسها، يطفو انقسام واضح حول طبيعة الاتفاق. الجمهوريون يميلون إلى تشديد شروط أي تفاهم، فيما يزايد الديمقراطيون باتجاه اعتبار أي تسوية أقل صرامة من اتفاق أوباما السابق. هذا الجدل ينعكس مباشرة على إيقاع المفاوضات، ويدفع نحو إعادة ضبط أولوياتها، مع تركيز على ملفين أساسيين: مستقبل تخصيب اليورانيوم، وآلية فصل المسارات الإقليمية المرتبطة بالجبهات المختلفة.
في المقابل، تدفع إسرائيل باتجاه مقاربة مختلفة، تقوم على إبقاء الساحة اللبنانية ضمن هامش الحركة العسكرية المفتوحة، في حين تسعى طهران إلى ربط الملفات ببعضها البعض، من الخليج إلى لبنان وسوريا، بما يمنحها قدرة أكبر على التفاوض بالمجمل وليس بالتجزئة.
هذا التباين يعقّد أي ولادة قريبة للتسوية، خصوصاً مع اقتراب مهلة الأيام السبعة التي وُصفت بأنها حاسمة، وسط ترجيحات بأن يتم تمديدها مجدداً إذا لم تُحسم النقاط الخلافية. وفي حال الوصول إلى طريق مسدود، لا يُستبعد أن يتجه المشهد نحو تصعيد سريع، قد يأخذ شكل ضربة محدودة ضد إيران، كخيار ضغط أخير قبل الانفجار الأكبر.
إيران من جهتها تتحرك وفق معادلة واضحة: كسب الوقت عبر تجزئة الحلول، وتفكيك الملف الإقليمي إلى مراحل تفاوضية متتالية، بما يخفف منسوب الضغط الأمريكي ويمنحها هامش مناورة أوسع، مع الإبقاء على القدرة على التصعيد عند الحاجة.
أما في لبنان، فإن المواجهة لا تزال مفتوحة على التصعيد، مع استمرار الضربات الإسرائيلية رداً على هجمات المسيّرات التي ينفذها حزب الله. والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل يمكن أن يصل التصعيد إلى استهداف الضاحية الجنوبية؟ وإذا حدث ذلك، هل يكون لبنان قد دخل فعلياً مرحلة انهيار التفاهمات غير المعلنة التي تضبط إيقاع المواجهة؟
في الساعات المقبلة، تبدو كل السيناريوهات مفتوحة، من التمديد الدبلوماسي إلى الانفجار الميداني، فيما تقف المنطقة على خط تماس دقيق بين تسوية لم تولد بعد، وحرب تتشكل ملامحها تدريجياً، وسط ترقّب دولي لأي تحول قد يعيد خلط الأوراق بالكامل.