المشكلة ليست بما كتبه إبراهيم الأمين، ولا في العبارات القاسية التي امتلأت بها صفحات صحيفة الأخبار، ولا في الإهانات المبطنة والمباشرة التي طالت رئيس الجمهورية جوزيف عون.
المشكلة أعمق من ذلك بكثير.
حزب الله فوجئ للمرة الأولى بوجود رئيس جمهورية يتصرف كرئيس فعلي للدولة اللبنانية، لا كموظف في محور الممانعة، ولا كغطاء رسمي لقرار يُتخذ خارج الحدود.
رئيس قرر أن ملف الحرب والسلم ليس ورقة إيرانية تُدار من طهران، بل قرار سيادي لبناني يجب أن يُصنع في بيروت، وفقاً للمصلحة الوطنية اللبنانية وحدها.
من هنا يمكن فهم هذا الانفلات في الخطاب الإعلامي، وهذا التصعيد غير المسبوق في لهجة إعلام حزب الله تجاه رئيس الجمهورية.
فما حدث لا يقتصر على خلاف سياسي أو تباين في وجهات النظر، بل هو سحب فعلي لواحدة من أهم أوراق النفوذ التي احتكرها حزب الله على مدى سنوات طويلة.
جوزيف عون قال بوضوح إن التفاوض لوقف الحرب، وإنهاء الاحتلال، وحماية اللبنانيين، هو من صلاحيات الدولة اللبنانية وحدها.
في المقابل، لا يزال حزب الله يتعامل مع الجنوب اللبناني بوصفه ورقة تفاوض إيرانية، ومع دماء الجنوبيين باعتبارها جزءاً من حسابات المصالح الإقليمية.
عندما حصل رئيس الجمهورية على تعهد بوقف كامل لإطلاق النار، نُقل إلى حزب الله، عبر رئيس مجلس النواب نبيه بري، طلب واضح يقضي بتقديم التزام مماثل حتى يصبح الاتفاق نافذاً.
لكن الحزب لم يقدّم أي جواب.
وكان الصمت هو الرد.
هذا الصمت ليس تفصيلاً بروتوكولياً، بل مؤشر سياسي بالغ الدلالة.
فهو يعني أن القرار النهائي ليس في بيروت، وأن حزب الله لا يملك حرية اتخاذ قرار الحرب أو وقفها من دون العودة إلى طهران.
الجنوب يدفع الثمن
ما يعنيه ذلك عملياً هو استمرار الجنوب في دائرة القصف والاغتيالات والتدمير، لأن الأولوية ليست لحماية اللبنانيين، بل للحفاظ على الدور الذي تؤديه الساحة اللبنانية في الاستراتيجية الإيرانية.
النتيجة واضحة أمام اللبنانيين يومياً:
مزيد من القصف.
مزيد من الاغتيالات.
مزيد من الدمار.
ومزيد من الخسائر البشرية والاقتصادية.
انكشاف كامل للتبعية
ما جرى خلال الساعات الأخيرة كشف حقيقة يصعب إنكارها.
حزب الله لا يقدّم مصلحة لبنان على أي اعتبار.
ولا يضع مصلحة الجنوب فوق أي أولوية.
ولا يتعامل مع حياة اللبنانيين باعتبارها الخط الأحمر الأول.
الأولوية الوحيدة تبقى لمصلحة إيران.
وما عدا ذلك مجرد تفاصيل.