يوليو 11, 2026
النشرة المسائية الرئيسية مقالات خاصة

المسائية_الإطار: حقائق تنفي تضليل حزب الله

المسائية_الإطار: حقائق تنفي تضليل حزب الله

منذ اللحظة التي خرجت فيها “صيغة الإطار” من واشنطن، لم يعد النقاش في لبنان نقاشًا قانونيًا هادئًا حول ورقة تفاوض، بل تحوّل إلى معركة رواية كاملة. فبدل أن يُسأل: ماذا في النص؟ جرى الانتقال سريعًا إلى: كيف نُسقطه سياسيًا؟ وكيف نُقدّمه كأنه اتفاق استسلام أو معاهدة نهائية؟ وهنا تحديدًا تبدأ، وفق مصادر سياسية مطلعة، أولى محاولات التشويه.
الحقيقة الأولى بسيطة لكنها جوهرية: ما جرى ليس اتفاقًا ولا معاهدة. هو “صيغة إطار” فقط، أي خارطة طريق أولية ترسم مبادئ عامة لمسار تفاوضي لاحق. وهذا التفصيل ليس لغويًا، بل دستوري. فالإطار لا يخضع في هذه المرحلة لأي آليات إقرار برلمانية أو حكومية خاصة بالاتفاقيات الدولية، لأنه ببساطة لم يتحول بعد إلى اتفاق ملزم. وبالتالي، كل الجدل حول عرضه الفوري على مجلس الوزراء أو مجلس النواب يقوم على خلط مقصود بين الإطار والاتفاق.
لكن ما هو أبعد من الشكل القانوني هو جوهر التحول نفسه: للمرة الأولى، يُطرح مسار ينقل لبنان من “هدنة” قابلة للانفجار في أي لحظة، إلى “استقرار مستدام” محكوم بضمانات أميركية وإقليمية. هذا يعني عمليًا وقف حرب، انسحابًا إسرائيليًا على مراحل من الأراضي اللبنانية، فتح مسار عودة النازحين إلى قراهم، إطلاق عملية إعادة إعمار واسعة، وفي النهاية استعادة الدولة اللبنانية احتكارها الكامل لقرار الحرب والسلم والسلاح.
وهذا ليس تفصيلًا تقنيًا. إنه انقلاب في فلسفة إدارة الصراع.
في هذا السياق، تشير المصادر إلى أن لبنان لم يخرج خالي الوفاض من المفاوضات، بل ثبّت مجموعة مبادئ أساسية، أبرزها الانسحاب الإسرائيلي التدريجي، والدخول في مسار برعاية أميركية وإقليمية ودولية، بما يشكل شبكة ضمانات تمنع العودة السريعة إلى الحرب. كما جرى تكريس حق الدفاع عن النفس للدولتين، إلى جانب الإشارة إلى عدم وجود أطماع إسرائيلية في لبنان، وهو تطور سياسي لا يمكن تجاهله في أي قراءة واقعية.
لكن في المقابل، ترتفع الأصوات التي تتعامل مع أي مسار تفاوضي وكأنه هزيمة مسبقة. وكأن السؤال لم يعد: كيف نوقف الدمار؟ بل: كيف نمنع وقف الدمار إذا لم يكن وفق سردية جاهزة؟ وهنا تبدو المفارقة صارخة: حرب استمرت عقودًا، خلّفت آلاف الضحايا، وبلدات مدمرة، وانهيارًا اقتصاديًا غير مسبوق، وهجرة واسعة، وخسائر بمليارات الدولارات، ومع ذلك يُراد منع أي مسار قد يؤدي إلى وقفها فقط لأنه لا يشبه الشعارات.
أكثر نقاط الجدل تركيزًا هي البند الثالث عشر. جرى تقديمه في الخطاب السياسي وكأنه تنازل لبناني عن الحق في ملاحقة إسرائيل قانونيًا. لكن القراءة الدقيقة تقول شيئًا آخر: لا إسقاط لأي حقوق، ولا تنازل دائم، بل تعليق مؤقت لبعض الإجراءات خلال فترة التفاوض، وهو أمر متبادل بين الطرفين، ومعروف في قواعد العلاقات الدولية عندما تدخل الدول في مسار سياسي مفتوح. بمعنى آخر: لا يوجد “تنازل”، بل إدارة قانونية لمرحلة تفاوض.
بل إن المفارقة أن القانون الدولي نفسه، الذي يُستخدم كمرجعية، لا يمنح الدول حقوقًا فقط، بل يفرض عليها واجبات أيضًا. وفي مقدمها أن تبسط الدولة سلطتها على كامل أراضيها، وأن تمنع أي تنظيم مسلح غير شرعي من استخدام أرضها في أعمال عدائية ضد دولة أخرى. وهنا تصبح الدولة أمام معادلة مزدوجة: حقوق سيادية من جهة، ومسؤوليات سيادية من جهة أخرى.
وفي ملف الملاحق الأمنية، يجري تضخيم فكرة “السرية” وكأنها دليل إخفاء أو تلاعب. بينما الواقع أن صفة Confidential ليست استثناءً لبنانيًا، بل قاعدة دولية معروفة في الاتفاقات الأمنية والعسكرية، لأن هذه الملاحق تتعلق بآليات تنفيذية حساسة لا تُنشر عادة للرأي العام. أما الضامن والمسهّل لهذه الترتيبات فهو الولايات المتحدة، التي تتولى دور الإشراف على التنفيذ ومنع الانهيار.
داخليًا، تبقى المؤسسة العسكرية نقطة ارتكاز أساسية. الجيش، وفق المعطيات، هو الخط الأحمر الذي لا يُمس، وقد أثبت خلال الحرب الأخيرة تماسكًا لافتًا، من دون تسجيل أي حالة فرار في الجنوب، بل مع تقديم ضباط وعناصر من مختلف الطوائف شهداء في المهمة نفسها. وهذه ليست تفصيلة عسكرية، بل مؤشر على وحدة مؤسسة الدولة في لحظة انقسام سياسي حاد.
أما مقارنة “صيغة الإطار” باتفاق الهدنة، فهي مقارنة مضللة جزئيًا. صحيح أن هناك تشابهًا في بعض الترتيبات الأمنية، لكن السياق مختلف بالكامل: ميزان قوى مختلف، بيئة إقليمية مختلفة، وضمانات دولية أوسع، وأهداف تتجاوز وقف النار إلى إعادة هندسة الاستقرار نفسه.
وفي خلفية كل ذلك، لا يبدو أن المسار في طور النقاش فقط، بل في طور التنفيذ. فهناك قرار سياسي واضح بالسير فيه، والموفد الأميركي موجود حاليًا في إسرائيل لاستكمال وضع الآليات التنفيذية، بما يعني أن الصيغة انتقلت من مستوى الورقة إلى مستوى التطبيق.
على المستوى الاجتماعي والسياسي الداخلي، تشير التقديرات إلى أن الطائفة الشيعية ستكون من أكثر المتضررين في حال استمرار الحرب، ومن أكثر المستفيدين في حال الاستقرار، ما يفرض التمييز بين مصالح الناس اليومية وبين الخيارات السياسية التي تُقدَّم باسمهم.
أما إعادة الإعمار، فلن تكون هذه المرة خارج الدولة ولا عبر قنوات موازية، بل عبر مؤسساتها حصريًا، لأن بناء الدولة لا يكتمل بنزع سلاحها فقط، بل أيضًا باحتكارها عملية الإعمار والإنفاق العام.
في النهاية، لا تدور المعركة حول بند هنا أو عبارة هناك. المعركة الحقيقية هي حول شكل لبنان: هل يبقى ساحة مفتوحة لحروب الآخرين، أم يتحول إلى دولة تستعيد قرارها وتدخل زمن الاستقرار؟ كل ما عدا ذلك، وفق هذا المنظور، ليس سوى ضجيج سياسي حول فرصة قد لا تتكرر.