دخلت المؤسسة العسكرية اللبنانية مرحلة شديدة الحساسية بعد العقوبات الأميركية التي طالت أحد ضباطها على خلفية اتهامات تتصل بالتعاون مع “حزب الله”، وهي عقوبات لا يمكن التعامل معها بوصفها تفصيلاً عابراً أو مجرد رسالة سياسية ظرفية. فواشنطن، منذ سنوات، تفصل بين دعمها للجيش اللبناني وبين موقفها من الحزب، لكنها في المقابل تبدي حساسية قصوى تجاه أي تداخل أو تغطية أو تعاون يتجاوز الحدود التي تعتبرها مقبولة.
ما أثار الانتباه هذه المرة لم يكن العقوبات وحدها، بل البيان الصادر عن المؤسسة العسكرية الذي بدا بالنسبة إلى كثيرين وكأنه دفاع مباشر عن الضابط المعاقب، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام تفسيرات أميركية أكثر تشدداً في المرحلة المقبلة، خصوصاً في ظل المناخ الإقليمي المتوتر والضغوط المتزايدة على إيران وأذرعها في المنطقة.
السؤال هنا لا يتعلق بالدفاع المعنوي عن ضابط ينتمي إلى المؤسسة العسكرية، بل بالخيارات السياسية والاستراتيجية التي توضع فيها المؤسسة نفسها. فإذا كان الاصطدام مع “حزب الله” مكلفاً داخلياً، وإذا كانت موازين القوى اللبنانية تجعل أي مواجهة مباشرة معه شبه مستحيلة، فهل يصبح مطلوباً من الجيش أن يتحمل أيضاً كلفة أخطاء الحزب السياسية والأمنية والإقليمية؟ وهل من مصلحة المؤسسة العسكرية أن تدخل تدريجياً في منطقة رمادية قد تجعلها في مرمى الشبهات الدولية؟
الأخطر أن الذاكرة اللبنانية تحتفظ بسوابق لا تزال حاضرة حتى اليوم. فبعد الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، كان يفترض أن ينتشر الجيش اللبناني بشكل كامل على الحدود الجنوبية بوصفه المؤسسة الشرعية الوحيدة المخولة حماية الحدود والسيادة. يومها، مُنع الجيش عملياً من القيام بهذا الدور، لأن “حزب الله” أراد الاحتفاظ بوظيفة “حارس الحدود” وقرار الحرب والسلم معاً. كان ذلك التحول من أخطر اللحظات التي كرّست الازدواجية داخل الدولة اللبنانية، وأدخلت البلاد في مسار طويل من الارتهان والانقسامات والحروب.
لهذا يبدو السؤال مشروعاً اليوم أكثر من أي وقت مضى: هل المطلوب من الجيش أن يدفع مجدداً ثمن الخيارات التي لم يتخذها؟ وهل يجوز أن تتكرر تجربة تحميل المؤسسة العسكرية أعباء مشروع لا تملكه ولا تتحكم بقراره؟
إنه تاريخ لا يُنسى، ولا يفترض أن يتكرر.