منذ اتخاذ الحكومة اللبنانية برئاسة حسان دياب، في آذار 2020، قرار التخلف عن سداد سندات اليوروبوند، لا يزال الجدل مستمراً حول ما إذا كانت هذه الخطوة هي نقطة التحول الفعلية التي أدخلت لبنان في نفق الانهيار المالي والنقدي.
الفرص الضائعة واستنزاف الاحتياطات
يرى العديد من المراقبين أن الدولة اللبنانية كانت تمتلك حينها احتياطات كبيرة من العملات الأجنبية في مصرف لبنان. ووفقاً لهذا الرأي، كان خيار التفاوض مع الدائنين وإعادة جدولة الدين يمثل فرصة يستحق العمل عليها بجدية قبل إعلان التخلف عن الدفع.
إلى جانب ذلك، ساهم استمرار سياسة الدعم في تلك المرحلة الحرجة، وما رافقها من عمليات تهريب واسعة، في تسريع استنزاف ما تبقى من مقدرات مالية. ويُعتقد أن اتباع نهج مختلف في إدارة الأزمة كان من شأنه أن يحد من التدهور السريع في سعر صرف الليرة اللبنانية، ويقلص حجم الخسائر الفادحة التي تكبدها الاقتصاد وأموال المودعين.
أين المحاسبة والمسؤولية السياسية؟
رغم مرور سنوات على الأزمة العميقة، يتردد السؤال ذاته بين اللبنانيين: من يتحمل المسؤولية السياسية والاقتصادية؟ هل تقتصر المساءلة على الحكومة وحدها، أم تنسحب على القوى السياسية والكتل النيابية التي روجت لهذا المسار ودعمته؟ والأهم من ذلك، يبرز التساؤل حول أسباب غياب أي مراجعة وطنية شفافة تحدد الأخطاء وتضع أسساً واضحة للمساءلة والمحاسبة.
مخاطر الاقتصاد النقدي وضرورة التعافي
بعد أن كان لبنان يُعرف كمركز مصرفي واستشفائي وتعليمي رائد في المنطقة، شوهت الأزمة المالية صورته وأفقدت المستثمرين والمودعين ثقتهم في مؤسساته.
ومع التوسع الملحوظ في “الاقتصاد النقدي” (Cash Economy) خلال السنوات الأخيرة، تصاعدت المخاوف من تراجع الشفافية المالية. فالاعتماد المفرط على التعاملات النقدية يُصعّب تتبع الأموال، مما يخلق بيئة خصبة تزيد من مخاطر التهرب الضريبي وتبييض الأموال، مقارنة بالأنظمة المصرفية الخاضعة للرقابة الصارمة.
في المحصلة، يتطلب مسار التعافي وإعادة بناء الثقة إقرار إصلاحات حقيقية، وتفعيل مبدأ المحاسبة الواضحة، واعتماد سياسات مالية ونقدية مسؤولة تعيد للبنان دوره الاقتصادي وتمنع تكرار المأساة، إذ إن الشعوب لا تتقدم دون معرفة الحقيقة، ولا تستعيد ثقتها بغياب العدالة.
