كتب بودوان عبدالنور
أي منطق هذا الذي يجيز الاحتفال بوقف إطلاق النار فيما الأرض لا تزال محتلة، والناس مشرّدون، والقرى مدمّرة، والخراب سيّد المشهد؟ أي نصر هذا الذي يُعلن فوق الركام، وبين أنقاض البيوت، وعلى وقع حكايات النزوح والخسارة؟
ليس السؤال ترفًا سياسيًا ولا سجالًا إعلاميًا، بل هو صرخة بديهية في وجه عبثٍ متمادٍ. فمن يملك الجرأة ليشرح للبنانيين لماذا فُتحت الحرب أساسًا؟ ولماذا جرى تجاهل كل النداءات التي سبقتها؟ الدولة ناشدت، واللبنانيون استغاثوا، وأصدقاء لبنان الإقليميون والدوليون حذّروا: تجنّبوا الانزلاق. لكن القرار كان في مكان آخر، والنتيجة أمامنا اليوم.
لو كان الهدف حماية الأرض، فالاحتلال تمدّد. ولو كان الهدف حماية الناس، فالتهجير اتّسع. ولو كان الهدف تحقيق توازن ردع، فالدمار سبق أي توازن. أي مراجعة صادقة تُفضي إلى نتيجة واحدة: حرب بلا أهداف متحققة، سوى استجلاب الخراب.
الأخطر من ذلك، هو الانقلاب على الوقائع. الذين خُوّنوا لأنهم دعوا إلى التهدئة، والذين اتُّهموا بالاستسلام لأنهم سعوا إلى وقف إطلاق النار، هم أنفسهم من أُنجزت عبر قنواتهم التسويات التي يُحتفل بها اليوم. كيف يتحوّل “الخيانة” إلى “إنجاز” بين ليلة وضحاها؟ وكيف يصبح ما كان مرفوضًا بالأمس مادة احتفال اليوم؟
المشهد عبثي إلى حدّ الصدمة. في بيروت، احتفالات. وفي الجنوب، بيوت مهدّمة. في الخطاب، انتصار. وفي الواقع، خسائر مفتوحة. وبين الاثنين، فجوة أخلاقية وسياسية لا يمكن ردمها بالشعارات.
المسألة ليست في رفض وقف إطلاق النار، بل في الادعاء بأنه نصر. وقف النار ضرورة لوقف النزيف، لكنه ليس إنجازًا عندما يأتي بعد حرب كان يمكن تفاديها. ولا يصبح إنجازًا حين يكون ثمنه هذا الحجم من الخسائر البشرية والمادية والسيادية.
لبنان لا يحتاج إلى احتفالات وهمية، بل إلى محاسبة حقيقية. يحتاج إلى طرح السؤال البسيط: من قرر؟ ولماذا؟ وبأي حق جرى الزجّ بالبلد في حرب لم تكن حتمية؟
الاحتفال الحقيقي يكون عندما تُستعاد الأرض، ويعود الناس إلى بيوتهم، وتُبنى الدولة على قرار سيادي حرّ. أما اليوم، فكل مظاهر الفرح تبدو كأنها إنكار للواقع، أو هروب منه.
إنه، ببساطة، احتفال بالنصر فوق أرض محتلة.