بقلم ألين حكيم
ليس كلُّ من علّق صليبًا سار على درب الجلجلة، وليس كلُّ من تمسّح ببشيرٍ حمل قضيّته.
على الشاشات يوميًا، تطلّ وجوهٌ مسيحية تلمّع البندقية التي تحاول اغتيال جمهوريتنا. هنا، لا بد من نزع الأقنعة، لا بد من تشريحٍ نفسيّ لغويّ معمّق لفنّ الخطابة الذي يصنع “البوق”، مع الإقرار بقدرتهم على الحضور الذهني، وسرعة البديهة، ومهارات التواصل.
في هذا الإطار، سنضيء على نموذجين خطابيّين في الجزء الثاني، على أن هذا التشريح يصلح لكل مستزلم خائف أمام حزب خامنئي أو أي احتلال. وينطلق التحليل من ستة مفاهيم أساسية:
ستوكهولم الطائفية: من الرعب إلى العبادة
هي حالة تتحوّل فيها الضحية إلى مدافع عن الجلاد، اقتناعًا منها بأنه يحميها من جلادٍ أشدّ. بعد 15 سنة من الحرب الأهلية، ومع التهويل المستمر من “الخطر التكفيري”، ترسّخت لدى قسم من المسيحيين قناعة لا واعية مفادها: “حزب الله هو الأقوى، وإذا لم أكن معه فسيسحقني”.
هنا يتحوّل الخوف إلى نوع من العبادة، ويتغذّى عبر تضخيم “البعبع” وتبرير الدعم العسكري، كما حصل في تبرير القتال في سوريا بذريعة حماية المسيحيين. في هذه الحالة، لا يكون الدفاع عن السلاح نابعًا من قناعة، بل من غريزة بقاء مشوّهة.
التنافر المعرفي: الكذبة التي تُنيم الضمير
عندما يحمل العقل فكرتين متناقضتين، يلجأ إلى اختراع تبرير يخفف التوتر الداخلي.
في هذا السياق، نجد من يقول: “أنا مع لبنان السيّد الحر المستقل” ويستشهد ببشير الجميل، وفي الوقت نفسه يتحالف مع ميليشيا مرتبطة بإيران تملك قرار الحرب والسلم.
هذا التناقض يولّد مبررات من نوع: “السلاح استراتيجي دفاعي” أو “نحن نستخدمهم”، وهي ليست محاولة لإقناع الآخرين، بل لإقناع الذات.
المازوخية السياسية: عشقُ الجلّاد
إحساس مزمن بالتهديد الوجودي يدفع بعض الأقليات إلى البحث عن “حامٍ” قوي، حتى لو كان هذا الحامي سبب ضعفها.
بعد الشعور بخسارة الدور السياسي، بدل النضال لاستعادته، يتم تسليم القرار لمن هو الأقوى. يتحوّل الفرد إلى “ضحية محمية”، يردد: “لولاهن لانقرضنا”، رغم أن الوقائع تشير إلى العكس: هجرة، فقر، وفراغ.
إنه سلوك مازوشي قائم على التماهي مع مصدر الألم.
الإسقاط: اتّهام المرآة
آلية نفسية تقوم على رمي العيوب على الآخرين لتجنّب مواجهتها.
يتّهمون الشيعة الأحرار بالعمالة للسفارات، فيما هم متحالفون مع مشروع إقليمي واضح. يصفون السياديين بالطائفية، بينما يغطّون سلاحًا طائفيًا. يرفضون الوصاية، وقد استبدلوها بوصاية جديدة.
كل اتهام يوجّهونه هو انعكاس لصورتهم في المرآة.
نرجسية الهامش: وهم الأهمية
شعور متضخّم بالدور: “نحن صلة الوصل، لولانا ينهار البلد”.
بعد تراجع الحضور في البيئة السياسية المسيحية، شكّل “تفاهم مار مخايل” فرصة للعودة إلى الواجهة. نشأ وهم القدرة على “ترويض الحزب” أو “أقلمته”.
لكن الواقع أن الحزب استخدم هذا التفاهم كغطاء مسيحي لشرعنة سلاحه. النرجسي يرفض الاعتراف بأنه خُدع، فيستمر في الكذبة حفاظًا على صورته. وبعضهم يسعى لإثبات ذاته عبر تبنّي مواقف صادمة تخلق له مساحة حضور.
التشوّه الأخلاقي: كيف ينام الضمير؟
آلية نفسية تسمح بارتكاب الخطأ دون تأنيب ضمير، عبر مراحل متتالية:
التبرير الأخلاقي: “نحن ندافع عن المسيحيين”.
التلطيف اللغوي: “سلاح المقاومة” بدل “ميليشيا مسلحة”.
المقارنة الملتوية: “انظروا إلى ما تفعله إسرائيل”.
نقل المسؤولية: “الآخرون استفزّوا الحزب”.
نزع الإنسانية: “عملاء، جماعة السفارات”.
بهذه الأدوات، يتم غسل الضمير يوميًا قبل النوم.
المعادلة النهائية:
خوف + مصلحة + قدرات تواصل = بوق ينعق.