لم تنتهِ الحرب: من هرمز إلى بنت جبيل… ولبنان على حافة التكرار

بقلم حنا صالح:
العرض الأميركي الذي كشف عنه فانس لم يكن تفصيلاً عابراً، بل خريطة طريق مشروطة بستة بنود واضحة: إنهاء التخصيب النووي، تفكيك منشآته، استرداد اليورانيوم المخصب، القبول بإطار أوسع للأمن الإقليمي، وقف تمويل حماس وحزب الله والحوثيين، وفتح مضيق هرمز بالكامل. عرضٌ بهذه القسوة يعني ببساطة أن المواجهة لم تصل بعد إلى نهايتها.
المشهد يتجه نحو التصعيد. واشنطن بدأت عملياً حصاراً بحرياً مكلفاً لإيران، مع تقديرات بخسائر شهرية تقارب 13 مليار دولار. في المقابل، لا مؤشرات على تراجع إيراني، بل تصلّب يقابله حشد عسكري متواصل، وحديث أميركي عن احتمال العودة إلى ضربات تكتيكية كمرحلة أولى. كل الاحتمالات مفتوحة، من الضغط الاقتصادي إلى الانفجار العسكري مجدداً.
في الداخل الإيراني، لا يبدو الموقف موحداً. التمسك بالتخصيب يقابله سعي لإنهاء العقوبات واستعادة الأموال، فيما ورقة مضيق هرمز تبقى الأداة الأكثر خطورة. لكن هذا التشدد قد يعكس أيضاً انقساماً داخل مراكز القرار، ظهر بوضوح في السجالات الحادة بين أركان النظام، ما يوحي بأن الصراع ليس فقط مع الخارج، بل داخل النظام نفسه.
لبنان، مرة جديدة، في قلب العاصفة. الحرب الإسرائيلية تتوسع جنوباً، والتهجير لم يعد محصوراً جنوب الليطاني، بل امتد شمال الزهراني. بلدات تُقصف وتُفرغ، وبنت جبيل تتحول إلى نقطة اشتباك مركزية بعد إحكام الحصار عليها واستهدافها بالمدفعية والغارات. دخول قوات الاحتلال إلى محيطها، وصولاً إلى مستشفاها الحكومي، ليس تفصيلاً ميدانياً، بل مؤشر على استراتيجية “القضم البطيء” للسيطرة والتحكم بالقطاعات.
هذه الوقائع تعكس مساراً خطيراً: تدمير ممنهج، تغيير ديموغرافي، ومحاولة فرض واقع جديد بالقوة. في الخلفية، تبدو الحرب الإقليمية الإيرانية–الإسرائيلية وكأنها تُخاض على الأرض اللبنانية، فيما يدفع اللبنانيون الكلفة كاملة. الجنوب يدخل أخطر مراحله، والرسالة واضحة: لا سقف للتصعيد.
في هذا السياق، جاءت الزيارة الميدانية لنتنياهو إلى الجنوب، برفقة كبار قادته العسكريين، لتؤكد حجم السيطرة الميدانية التي وصل إليها الجيش الإسرائيلي. زيارة كهذه لم تكن لتحدث لولا اختلال ميزان الردع، وسلسلة قرارات أوصلت الأمور إلى هذا المنحى منذ “المشاغلة” وصولاً إلى “الإسناد”، ما أدخل لبنان في حرب لا يملك قرارها.
وبين حرب قائمة وأخرى محتملة، يحلّ 13 نيسان، ذكرى الحرب الأهلية. بعد 51 عاماً، لا يبدو أن الدروس استُخلصت. تلك الحرب لم تكن فقط “حرب الآخرين”، بل كانت حرب اللبنانيين أنفسهم، بنتائجها الكارثية: دمار، تهجير، وتغيير ديموغرافي. الأخطر أنها أوصلت منظومة الميليشيات والمال إلى السلطة، حيث استمرّت في إدارة الانهيار حتى اليوم.
المفارقة أن التهديد بتكرار الحرب لا يزال قائماً، في ظل سلاح خارج الدولة وخطاب تصعيدي يعيد إنتاج أسباب الانفجار. هنا، تبرز أهمية القرار الحكومي بجعل بيروت مدينة خالية من السلاح، كنقطة انطلاق لاستعادة الدولة. العاصمة، بثقلها السكاني والسياسي والاقتصادي، يمكن أن تشكل نموذجاً إذا نجحت التجربة فيها.
لكن المؤشرات الأولية لا تطمئن. أسئلة تُطرح حول أداء القوى الأمنية والعسكرية، وحول بطء التنفيذ، ما يهدد بإفراغ القرار من مضمونه. المسألة لم تعد تحتمل المراوحة أو التسويات، بل تتطلب إدارة حازمة ومتابعة يومية على أعلى المستويات.
في لحظة إقليمية مفتوحة على كل الاحتمالات، وداخل لبناني مثقل بأزمات متراكمة، يبقى الخطر الأكبر هو التعايش مع الانهيار وكأنه قدر. بين هرمز وبنت جبيل، يتحدد مصير المنطقة، لكن مصير لبنان يبدأ من قرار داخلي واضح: إما استعادة الدولة، أو الاستمرار في دفع ثمن حروب الآخرين… والذات.
وكلّن يعني كلّن، وما تستثني حداً منن.

شارك الخبر على:
Facebook
WhatsApp
X
Telegram