بقلم الدكتور عادل ديماسي

إغلاق مضيق هرمز وبداية الانهيار الاقتصادي العالمي

تشهد البيئة الدولية الراهنة تصاعداً حاداً في التوترات الجيوسياسية في ظل المواجهة بين إيران من جهة، وكل من إسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى. غير أن قراءة معمّقة لمسار الأحداث تشير إلى أن هذا التصعيد لا يمكن فصله عن الدور المحوري الذي تلعبه إسرائيل في توجيه مسار الصراع، سواء من خلال سياساتها الإقليمية أو عبر تأثيرها المباشر في مراكز القرار في الولايات المتحدة، بما في ذلك Donald Trump.
في هذا السياق، يمكن القول إن إسرائيل تمثل العامل الأساسي في دفع المنطقة نحو حافة الانفجار، من خلال تبني استراتيجيات تصعيدية تهدف إلى إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية بالقوة. وقد انعكس هذا التوجه في انخراط الولايات المتحدة في سياسات أكثر تشدداً، الأمر الذي أسهم في تعميق الصراع ورفع احتمالات اندلاع مواجهة واسعة النطاق.
وتتجلى أخطر تداعيات هذا التصعيد في احتمال إغلاق مضيق هرمز، الذي يُعد شرياناً حيوياً للاقتصاد العالمي. تعطّل هذا الممر البحري بشكل جزئي (أي على الدول المعادية لإيران فقط) كما هو الحال الآن قد أدى إلى ارتفاع ملحوظ في أسعار النفط والغاز، نظراً لمرور نسبة كبيرة من الإمدادات العالمية عبره. ما علينا إلا تصور مدى الخطورة المتزايدة و المتسارعة لهذا الأمر في حال إغلاق و تعطل مضيق هرمز بشكل تام (أي على الدول الصديقة و المعادية لإيران على حد سواء). الإنتقال من الإغلاق الجزئي الى الإغلاق التام سوف يؤدي الى الإنتقال من مرحلة الارتفاع الأُسّي في أسعار الطاقة إلى الإرتفاع الشبه عامودي لهذه الأسعار مما سوف يؤدي بدون أي شك إلى إطلاق سلسلة من التفاعلات الاقتصادية التي سوف تقود إلى تضخم عالمي واسع النطاق. هذا التضخم لا يقتصر على قطاع الطاقة فحسب بل يمتد ليشمل مختلف السلع الأساسية وعلى رأسها الغذاء. إذ تعتمد الزراعة الحديثة وسلاسل الإمداد الغذائية بشكل كبير على الطاقة، سواء في الإنتاج أو النقل أو التخزين. وبالتالي، فإن أي صدمة في أسعار الطاقة تتحول مباشرة إلى ارتفاع في أسعار الغذاء، مما يؤدي إلى تدهور خطير في الأمن الغذائي العالمي.
وتتحمل الدول النامية والفقيرة العبء الأكبر من هذه الأزمة، نظراً لاعتمادها الكبير على استيراد الغذاء والطاقة، وضعف قدرتها على مواجهة الصدمات الاقتصادية. ومع ارتفاع الأسعار، تتفاقم معدلات الفقر والجوع، وقد تدخل بعض هذه الدول في أزمات غذائية و اجتماعية وسياسية حادة. وفي الوقت ذاته، لن تكون الدول الأوروبية بمنأى عن هذه التداعيات، إذ إن استمرار التضخم سيؤثر سلباً على نموها الاقتصادي واستقرارها المالي.
وفي هذا الإطار، يمكن الربط بين السياسات الإسرائيلية فيما يتعلق بملف الحرب الإيرانية والتداعيات الاقتصادية العالمية، حيث إن الدفع نحو التصعيد العسكري لم يكن مجرد خيار أمني، بل قراراً استراتيجياً يحمل في طياته نتائج اقتصادية عميقة. ومن هنا، فإن الأزمة الحالية—بما تتضمنه من تضخم حاد، وارتفاع غير مسبوق في أسعار الطاقة، وتدهور في الأمن الغذائي—يمكن اعتبارها نتيجة مباشرة لهذا المسار التصعيدي الذي تقوده إسرائيل. علينا أيضا أن نأخذ بعين الاعتبار الحرب الروسية/الاوكرانية الطويلة الأمد و مساهمتها في تفاقم حدة أزمة الأمن الغذائي العالمي خصوصا أن لأوكرانيا تاريخ متقدم في تصدر قائمة الدول المنتجة والمصدِّرة للقمح عالميًا و استنذاف أوكرانيا العميق خلال حربها مع روسيا كان و ما زال له تأثيره السلبي لمقدرة اوكرانيا على الحفاظ على صدارتها في قوة الإنتاج الزراعي و بالتالي عدم إمكانيتها في تلبية متطلبات السوق الغذائية العالمية.
هذا إن أدى إلى شيء فإنه يؤدي إلى الاستنتاج اليقيني بأننا نعيش في عالم مبني على تفاعل و تجانس هرمي يقوم على ثلاثة أسس، الأمن الإقتصادي و الإجتماعي و السياسي، بشكل متوازن و حساس و دقيق بحيث أن اي تغير بسيط و طفيف في واحد من هذه الأسس سيؤدي إلى فقدان التوازن و بالتالي إنهيار هذا الهرم في حال لم يتم تصحيح الخلل بشكل سريع.

في المحصلة، يقف العالم اليوم أمام أزمة متعددة الأبعاد، تبدأ شرارتها من التوترات الجيوسياسية، لكنها سرعان ما تمتد لتشمل الاقتصاد العالمي والأمن الغذائي. ومع استمرار هذا النهج التصعيدي، تبدو المؤشرات الحالية مقدمة لاحتمال دخول العالم في مرحلة من الاضطراب الاقتصادي العميق، قد تصل إلى حد الانهيار المالي، ما لم يتم احتواء هذه السياسات وإعادة توجيهها نحو مسار أكثر استقراراً.

شارك الخبر على:
Facebook
WhatsApp
X
Telegram