في قلب الجغرافيا الإيرانية، تنتشر منشآت نووية ليست مجرّد مواقع تقنية، بل أهدافٌ استراتيجية شديدة الحساسية. من مفاعل بوشهر على ضفاف الخليج، إلى منشأة نطنز في العمق، ومنشأة فوردو المحصّنة داخل الجبال، وصولاً إلى مفاعل آراك للماء الثقيل، تتشكّل شبكة نووية معقّدة، يضعها أي تصعيد عسكري في دائرة الخطر المباشر.
السؤال الأخطر: ماذا لو ضُربت هذه المنشآت؟
الإجابة ليست بسيطة. فاستهداف مفاعل عامل مثل بوشهر قد يؤدي إلى تسرب إشعاعي واسع، شبيه – وإن بدرجات متفاوتة – بما حدث في كارثة تشيرنوبيل أو كارثة فوكوشيما. التقديرات العلمية تشير إلى أن انفجاراً أو تدميراً في قلب المفاعل قد يطلق مواد مشعّة مثل السيزيوم-137 واليود-131، ما يلوّث الهواء والمياه والتربة لعقود.
أما منشآت مثل نطنز وفوردو، فهي مخصّصة للتخصيب، وليست مفاعلات طاقة. هنا، الخطر مختلف: تسرب مواد نووية مخصّبة قد لا يؤدي إلى “انفجار نووي”، لكنه يخلق سحباً إشعاعية موضعية قد تمتد وفق اتجاه الرياح. وبحسب نماذج محاكاة بيئية، فإن أي تسرب كبير قد يصل خلال 24 إلى 72 ساعة إلى الخليج، مهدداً الكويت وشرق السعودية، وربما يمتد شمالاً نحو العراق، وغرباً باتجاه شرق المتوسط.
الأرقام مقلقة. مفاعل بوشهر وحده ينتج نحو 1000 ميغاواط من الطاقة، ويحتوي على كميات ضخمة من الوقود النووي. أي ضرر مباشر فيه قد يؤدي إلى تلوث بحري واسع في الخليج، وهو ما يعني ضربة مزدوجة: بيئية واقتصادية، خصوصاً لدول تعتمد على تحلية المياه.
في خلفية المشهد، يحضر العامل الروسي. شركة روساتوم هي المشغّل الرئيسي لمفاعل بوشهر، ما يعني وجود خبراء وتقنيين روس داخل الموقع. هذا الوجود يرفع كلفة أي استهداف، إذ قد يُفسَّر كضربة غير مباشرة لموسكو، بما يحمله ذلك من تداعيات سياسية وربما عسكرية.
هل يمكن لواشنطن تجنّب الكارثة؟
نظرياً، نعم. تمتلك الولايات المتحدة ذخائر دقيقة قادرة على استهداف البنية التحتية المحيطة أو أنظمة الطاقة دون ضرب قلب المفاعل. كما يمكن اللجوء إلى هجمات سيبرانية أو عمليات تخريبية، كما حدث سابقاً عبر فيروس ستوكسنت، الذي عطّل أجهزة الطرد المركزي دون إطلاق إشعاع.
لكن في الحروب، لا شيء مضمون. خطأ واحد، أو ضربة غير محسوبة، قد يحوّل الاستهداف “الجراحي” إلى كارثة إقليمية. عندها، لن تكون إيران وحدها الضحية، بل منطقة كاملة قد تستيقظ على غيمة نووية عابرة للحدود، لا تعترف بالسياسة ولا بالجغرافيا.