بقلم: د. علي شعيب
تكشف هذه الورقة البحثية التحليلية، المستندة إلى وثائق ومصادر رسمية، عن ملامح المنظومة المالية المعقدة لحزب الله، والتي لا يمكن فهمها كحلقات جنائية معزولة، بل بوصفها طبقات استراتيجية لتوليد الإيرادات وغسل الأموال، تتكامل بنيويًا مع “الاقتصاد الموازي” الذي شيده الحزب داخل لبنان. وتستعرض الورقة كيف تتقاطع العمليات الأمنية الدولية، مثل “تايتن” و”كاساندرا”، مع مؤسسات الداخل مثل “جمعية القرض الحسن”، لتشكل في مجموعها عمودًا فقريًا ماليًا عابرًا للقارات.
جدلية الشتات والمنظومة العابرة للحدود
ينطلق التحليل من ضرورة التمييز المنهجي الدقيق؛ فالشتات اللبناني في الأميركتين، بتنوعه التاريخي والجغرافي، ليس كتلة صماء أو أداة سياسية موحدة. ومع ذلك، تشير الأدلة الموثقة إلى أن حزب الله نجح في تنمية “جيوب” من الميسّرين والممولين والوسطاء داخل أجزاء من هذا الشتات، مستفيداً من القنوات التجارية الشرعية (مثل تجارة السيارات المستعملة والمنسوجات) لتحريك الأموال والسلع. وتؤكد تقييمات دولية، منها تقرير “RAND” لعام 2025، أن نشاط الحزب في أميركا اللاتينية يتركز حول اللوجستيات وسلاسل التوريد المالي، دون أن يعني ذلك اختراقاً شاملاً للجالية.
من كولومبيا إلى كندا: مسارات “تايتن” و”كاساندرا”
شكلت عملية “تايتن” (بالتعاون بين الولايات المتحدة وكولومبيا) نقطة تحول كشفت كيفية تقاطع عائدات الكوكايين مع فاعلين مرتبطين بحزب الله، حيث أظهرت التحقيقات نظاماً معقداً لتحويل الأرباح عبر شركات صورية وبيوت صرافة تمتد من ميديلين إلى الشرق الأوسط. هذا المسار تعمق مع “مشروع كاساندرا” الذي فكك شبكات أوسع لغسل الأموال القائم على التجارة، ولعل قضية “البنك اللبناني الكندي” عام 2011 تظل الشاهد الأبرز على كيفية نفاذ العائدات غير المشروعة إلى النظام المصرفي الرسمي لإضفاء صفة الشرعية عليها.
ولم تكن أميركا الشمالية بعيدة عن هذا المشهد؛ إذ يشير التقييم الكندي الرسمي لعام 2025 إلى رصد دعم مالي منشأه كندا، مرتبط بتجارة السيارات الفاخرة عبر ميناء مونتريال، وصولاً إلى استخدام محدود وناشئ للعملات الرقمية مثل “Tether” و”Bitcoin” كأدوات حديثة للالتفاف على الرقابة.
القاعدة اللبنانية: الاقتصاد النقدي و”شبه المصرف”
تمثل الساحة اللبنانية “منطقة الهبوط” لهذه التدفقات الخارجية. ففي ظل انهيار القطاع المصرفي اللبناني بعد عام 2019، وتضخم الاقتصاد النقدي ليتجاوز 45% من الناتج المحلي، وجد حزب الله بيئة مثالية لنمو مؤسساته المالية الموازية. وتبرز هنا “جمعية القرض الحسن” ليس كمجرد مؤسسة خيرية، بل كـ “شبه مصرف” أو مؤسسة ظل تدير عشرات الفروع وتخزن قيمًا ضخمة من الذهب والمجوهرات بعيداً عن الرقابة النقدية للدولة، مما يوفر للحزب قدرة عالية على المناورة المالية وتثبيت الولاء الاجتماعي عبر القروض والخدمات.
الخلاصة: المال كأداة سيطرة
إن القيمة الاستراتيجية لهذه الشبكة لا تكمن فقط في جمع المال، بل في تحويله إلى سلطة سياسية ومجتمعية مطبقة. فالتداخل بين “العالم السفلي” للشبكات الخارجية وبين مؤسسات الرعاية والعمل التجاري في الداخل، سمح للحزب ببناء نظام صمود مالي عابر للأزمات. إنها منظومة متكاملة تبدأ من صفقات تجارية وعمليات معقدة في أقاصي الأميركتين، وتنتهي كرواتب، وبطاقات تموينية، واستثمارات عقارية وصناعية في ضواحي بيروت وقرى الجنوب والبقاع. وبهذا، يظل المحرك المالي هو الضامن الأساسي لاستمرارية المشروع العقائدي للحزب وقدرته على هندسة بيئته الاجتماعية وحماية تحالفاته السياسية داخل الدولة اللبنانية وخارجها.