تجدد السجال بين نديم قطيش وداوود الشريان 


على خلفية الغارات الإسرائيلية

تجدّد السجال بين الإعلامي اللبناني نديم قطيش والإعلامي السعودي داوود الشريان على خلفية ما كتبه قطيش عن الغارات الإسرائيلية على البقاع وسقوط ضحايا مدنيين.

وجهة نظر نديم قطيش

أحيا القصف الإسرائيلي على البقاع وسقوط ضحايا مدنيين بينهم أطفال الحجة الممجوجة نفسها عند جمهور الممانعة: “الدولة الوقحة التي تريد نزع السلاح لا تستطيع أن تحمينا من إسرائيل”.

بيد أن السؤال الحقيقي هو: هل حماكم السلاح الذي يتمسك به الحزب؟ هل منع السلاح القصف والقتل؟

الحقيقة المرة هي أن وجود البنية التحتية العسكرية لحزب الله وسط المدنيين في البقاع والجنوب لم يمنع الطائرات من القصف، بل قدم لها “الذريعة” والهدف. عندما يُقتل قيادي وسط حي سكني، أو تُدمر مخازن تحت بيوت الناس، فالمسؤولية على السلاح الذي يتترّس بالناس ليست قليلة. الحماية الحقيقية هي التي تمنع وقوع الغارة أصلاً، لا التي تستدرجها ثم تعجز عن صدها، وتستعمل الضحايا دليلاً على ضعف الدولة.

في ظل السلاح، الذي لا يجب أن ينزع لأنه “يحمينا”، يعيش لبنان منذ وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024 استباحة جوية كاملة. الإصرار النرجسي الانتحاري على حفظ السلاح خارج إطار الدولة جعل لبنان “ساحة مفتوحة”، ولا يوجد مقدار من الشعارات يمكنه التغطية على حقيقة أن السلاح لم يوفر مظلة أمان لأحد، بل وفر أسباباً للاستباحة الإسرائيلية.

نعم، الدولة ضعيفة، لأن السلاح الضعيف في وجه إسرائيل والمستقوي على الداخل يسلب منها أهم صلاحياتها: قرار الحرب والسلم. كيف يقوى الجيش وهناك سلطة موازية ترفض التنسيق معه إلا وفق مزاجها وقراءتها وأجندتها؟ كيف للدبلوماسية اللبنانية أن تنشط دولياً بينما العالم يرى لبنان “منصة” لا “دولة”؟

تعزيز قوة الدولة يبدأ بإنهاء ازدواجية السلاح، ليكون الجيش هو الحامي الوحيد والشرعي تحت غطاء سياسي موحد. بعدها فقط يمكن الحديث عن ضعف أو قوة الدولة بشأن حماية اللبنانيين.

السلاح ضعيف جداً، عاجز عن حماية من يتمسكون به. النتيجة الوحيدة لهذا السلاح أنه يضعف الدولة ويحد من قدرتها على الحركة والتقدم. الحماية الحقيقية ليست في بقايا ترسانة تستدرج الغارات والقصف، بل في دولة قوية، وجيش واحد، ودبلوماسية تحمي الحدود، وفق اتفاقات وترتيبات تضمن أمن وسلامة اللبنانيين، وأمن وسلامة الإسرائيليين في الوقت نفسه.

الشريان تطبيع الأطماع

وردّ داوود الشريان على قطيش بالقول:

وضع تركيا وإسرائيل في سلة واحدة تحت عنوان “بقايا التفكير الإمبراطوري” مساواة خطيرة تذيب خصوصية الصراع مع إسرائيل وتحوله إلى مجرد نزعة إقليمية عابرة. أنت تجرد المشروع الإسرائيلي من طابعه الاستيطاني المرتبط بالأرض والهوية والحدود، وتجعله طموحاً طبيعياً وحالة مشابهة لطموحات دول أخرى ضمن منطقة مضطربة. طرحك يتماهى مع تطبيع فكرة الأطماع الإسرائيلية عبر جعلها واحدة من بين أطماع متعددة، لا حالة مختلفة في طبيعتها وخطورتها.

فعاد قطيش وردّ قائلاً:
لا أستغرب وجود أفكار عقائدية من هذا النوع لدى أفراد أو جماعات معينة. لكن ما يجب أن ينطلق منه اللبنانيون هو غياب أي مشروع سياسي معلن على مستوى الدولة الإسرائيلية في هذا الاتجاه. إذا وجد هذا الأمر فهم يعلنون عنه ويسخّرون لأجله كل المقدرات السياسية والدبلوماسية واللوجستية والعسكرية كما يحدث في الضفة الغربية، حيث توجد مطالب معلنة ومشروع سياسي واضح مدعوم من حكومة بنيامين نتنياهو للضم، وهو خلاف الوضع مع لبنان.

ليس تفصيلاً أن إسرائيل لم تبنِ ولو مستوطنة واحدة على الأراضي اللبنانية طوال فترة احتلالها منذ 1978 وحتى الانسحاب عام 2000. ما بين لبنان وإسرائيل هو مجموعة من المشكلات الأمنية والحدودية، يمكن تصنيفها في إطار “القضايا التقنية” في علم السياسة، أي القضايا التي لها حلول.

تصريح السفير في النهاية يعبر عن رأي شخصي أو قناعة فردية قد يؤمن بها أو لا يؤمن، ولا يشكل فارقاً جوهرياً، حتى وهو يتحدث كسفير، طالما أن الكلام لم يتحول إلى مشروع سياسي رسمي مدعوم من مؤسسات الدولة وأجهزتها.

هناك في منطقتنا وبشأن منطقتنا الكثير من القناعات القومية بل والإمبراطورية المتبقية لدى عدد من الأنظمة والدول. في سوريا مثلاً كان هناك من لا يزال يحتفظ بقناعة تاريخية بأن لبنان جزء منها، ولدى تركيا قناعة مشابهة بشأن حلب ومناطق أخرى في العراق، وهناك مشاريع ضم وتوسع محتملة في كل الاتجاهات. السبب الأساسي هو أن الدول الوطنية في منطقتنا لا تزال تعاني من هزات ارتدادية تنتجها بقايا الفكر الإمبراطوري في كثير من السياقات.

لكن النقطة الأساسية في علاقة لبنان بإسرائيل تبقى مختلفة: لا يوجد على مستوى الدولة الإسرائيلية الرسمية أي مشروع سياسي معلن أو مدعوم مؤسسياً في اتجاه ضم أراضٍ لبنانية أو تغيير الحدود. وبالتالي، على لبنان أن يتعامل مع ملفه الحدودي والأمني على هذا الأساس: افتراض أن مثل هذا المشروع غير قائم حالياً، وفي الوقت نفسه أن يستنفد كل ما أوتي من قدرات قانونية وسياسية وحتى عسكرية إن لزم الأمر على مستوى الدولة المركزية، لمواجهة أي احتمال مستقبلي أو أي تطور في هذا الاتجاه.

شارك الخبر على:
Facebook
WhatsApp
X
Telegram