افرام في مؤتمر المواطنة وسيادة الدولة: لبنان إيمان وحرية وفكرة إذا ضعفت تفرّقنا ورسالة إذا فهمناها نجونا معًا
ألقى النائب نعمة افرام، الرئيس التنفيذي لـ مشروع وطن الإنسان، كلمة افتتاحية في الندوة التي أدارها ضمن مؤتمر «المواطنة وسيادة الدولة… الوضع الراهن وآفاق المستقبل»، حملت مضامين فكرية وبحثية تناولت جوهر الميثاق الوطني والروح التي ينبغي أن تقود تطوّر عقد الجماعات اللبنانية في المرحلة المقبلة.
المؤتمر دعت إليه الجمعية الثقافية للتوعية بالشراكة مع «مشروع وطن الإنسان»، وافتُتح بكلمة لبشارة طربية عن الجمعية الداعية، تلتها كلمة للمضيف وزير الثقافة غسان سلامة في صرح المكتبة الوطنية – الصنائع، ثم كلمة لرئيس مجلس الوزراء نواف سلام، وذلك بحضور وزاري ونيابي وثقافي وأكاديمي وقانوني وإعلامي واسع، إلى جانب فعاليات عامة من مختلف الاختصاصات.
وجاءت الندوة بعنوان: «دراسة العناصر المكوِّنة للميثاق الوطني وظروف ولادته، والنصوص القانونية التي تحدّده، وتطوّره من خلال ممارسة السلطة السياسية منذ الاستقلال إلى اليوم»، وشارك فيها الوزير والنائب السابق بطرس حرب، والوزير السابق رشيد درباس، والأستاذ المحاضر في العلوم السياسية وسام لحام.
وفي كلمته الافتتاحية قال افرام:
«يشرفني أن أفتتح هذه الجلسة حول الميثاق اللبناني ونشأته، بحضور هذه النخبة المميّزة من المتحدثين. اسمحوا لي أن أبدأ بفكرة بسيطة: الروح تسبق الفكرة، والفكرة تسبق الفعل. قبل أن يكون هناك دستور، تكون هناك نيّة. وقبل أن يكون هناك نص قانوني، تكون هناك مخيّلة أخلاقية. وقبل أن تكون هناك دولة، تكون هناك إرادة مشتركة للعيش معًا».
وأضاف:
«في حالة لبنان، لم تكن البنية الدستورية لعام 1926 وترتيبات عام 1943 مجرد نتاج نقاشات تقنية، بل كانت تجسيدًا لروح أعمق: لحظة تسوية تاريخية واعتراف متبادل وضبط للنفس. فقد وُلد الميثاق اللبناني من نفيين متقابلين؛ قَبِل المسلمون بالتخلّي عن مشروع الاندماج الكامل في وحدة سياسية عربية أوسع، وقَبِل المسيحيون بالتخلّي عن فكرة الارتباط الدائم بفرنسا».
وتابع:
«كان ذلك حلًا بارعًا في زمانه: أمّن الاستقلال، وأسّس لصيغة تعايش، وأعطى ولادةً لجمهورية بدت، في لحظة من الزمن، وكأنها تجسّد التعدديّة من دون تفكك. لكن علينا، بكل احترام وموضوعية،
أن نتساءل: هل كان ذلك كافيًا كعقد وطني طويل الأمد؟».
وأوضح افرام:
«إن ميثاقًا يقوم على التنازل المتبادل يمكنه أن يثبّت لحظة التأسيس، لكن إن لم يتطوّر إلى مشروع إيجابي مشترك يبقى توازنه هشًا. وعلى مدى المئة عام الأولى من تاريخ لبنان شهدنا أزمات متكرّرة، شللًا مؤسساتيًا، حربًا أهلية، تدخلات خارجية، وعدم استقرار مزمن. لم تكن هذه حوادث عابرة، بل عكست حدودًا بنيوية في الصيغة الأصلية. لقد نظّم الميثاق تقاسم السلطة، لكنه لم يُبلور بالكامل هوية مدنية جامعة تتجاوز التوازن الطائفي، ونظّم التعايش من دون أن يُنتج دائمًا إنتاجية سياسية أو اقتصادية أو مؤسساتية».
وفي ما يتصل بالمستقبل، أشار إلى أن «الفصل المقبل قد يتطلب الانتقال من تسوية سلبية إلى تعايش منتج: ليس فقط غياب الغلبة بل حضور الشراكة، وليس فقط توازن الطوائف بل تكامل المواطنين. ويمكن أن تقوم ركائز هذا الفهم المتجدّد على مفهومين عالميين ولبنانيين بامتياز: الإيمان والحرية. الإيمان كمصدر للكرامة والمعنى والمسؤولية الأخلاقية، لا كسلاح سياسي؛ والحرية كحرية دستورية وسيادة قانون ومواطنة متساوية، لا كمدخل للتفكك».
وختم قائلًا:
«الحرية هي نبع الإبداع؛ فمن رحمها يولد الفكر الخلّاق، وتزدهر المبادرات، وتتجدّد المجتمعات. لا يمكن لوطن أن يكون منتجًا أو متقدمًا من دون فضاء حر يسمح للعقول أن تبتكر وللأفراد أن يحققوا ذواتهم في خدمة الصالح العام. إذا كانت الروح تسبق الفكرة، فمهمتنا اليوم ليست فقط إعادة قراءة وثيقة تاريخية، بل التفكير في الروح التي ينبغي أن تقود تطوّر عقدنا الوطني في المرحلة المقبلة. فلبنان ليس مجرد صيغة دستورية؛ هو فكرة إذا ضعفت تفرّقنا، وحلم إذا خُنّاه انهارنا، ورسالة إذا فهمناها جيدًا… نجونا معًا».