التحولات الإقليمية وانعكاساتها العربية وفي لبنان
في ندوة أقامها النادي الثقافي العربي في ذكرى استشهاد الرئيس رفيق الحريري عرض الدكتور حارث سليمان لواقع التحولات العربية الكبرى في مداخلة مسهبة جاء فيها: يمكن قراءة تحولات الشرق الأوسط خلال العقود الثلاثة الماضية من خلال أربع محطات مفصلية أعادت تشكيل موازين القوى:
تحرير الكويت ومؤتمر مدريد وما رافقهما من تقاطع أميركي سوري مع نظام الأسد.
أحداث 11 أيلول واحتلال أفغانستان والعراق، وما تبعه من تقاطع أميركي إيراني (ولاية الفقيه).
الربيع العربي وما أحدثه من تغييرات بنيوية وحروب أهلية.
طوفان الأقصى وما تلاه من حرب إبادة في غزة، وانتصار إسرائيل، وانهيار محور الممانعة، ثم سقوط نظام الأسد، وصعود الدور التركي.
في كل محطة تبدّلت أدوار القوى الإقليمية، وانعكست مباشرة على الواقع العربي واللبناني.
المحطة الأولى: من مسار التسويات إلى انهيار عملية السلام
بعد تحرير الكويت، انعقد مؤتمر مدريد بمشاركة إسحاق شامير وحافظ الأسد، وولّد إطارًا دوليًا إقليميًا هدفه نقل الصراع من الحرب إلى التفاوض. عكست مشاركة القيادات الإقليمية الأساسية آنذاك توازنًا دوليًا جديدًا بعد سقوط الثنائية القطبية.
لكن اغتيال إسحاق رابين شكّل ضربة قاصمة لمسار “الأرض مقابل السلام”، وأدّى إلى تفكك الزخم السياسي لاتفاقات أوسلو، وعودة التيارات الرافضة للتسوية، ما أدخل المنطقة في حلقة انسداد تفاوضي وعنف متبادل طويل.
في تلك المرحلة نشأ تقاطع مصالح واضح بين واشنطن ودمشق: ضبط إقليمي مقابل انخراط في مسار التسوية.
لبنان استفاد من مظلة الاستقرار النسبي، فكانت الوصاية السورية التي أتاحت قيام مشروع إعادة الإعمار وبناء الدولة والاقتصاد، متلازمًا مع مشروع تمكين الشيعية السياسية وتصاعد قوة حزب الله في مواجهة إسرائيل.
المحطة الثانية: 11 أيلول وإعادة تشكيل التوازنات
لم تكن أحداث 11 أيلول مجرد عمل إرهابي كبير، بل أعادت تعريف الأمن العالمي، وأطلقت “الحرب على الإرهاب”، التي استهدفت الزواج القائم بين السلفية السنية المقاتلة والبترودولار من دول النفط. نُقل الصراع من مواجهة عربية صهيونية إلى صراع داخلي عربي إسلامي، وأُعطيت شرعية لتدخلات عسكرية مباشرة.
وجاء سقوط بغداد عام 2003 ونظام صدام حسين ليكسر التوازن المشرقي التقليدي، ويزيح خصمًا استراتيجيًا لطهران، فنتج تقاطع موضوعي أميركي – إيراني في إدارة المرحلة الجديدة. صعد نفوذ إيران، وتشكّل محور الممانعة كتحالف للأقليات المشرقية، وتوسعت ظاهرة الميليشيات المسلحة المرتبطة بمحاور خارج الدولة، وتراجع مفهوم الدولة الوطنية، وأُضعفت سيادتها ووحدة قرارها الأمني والعسكري، وتحول الصراع من نزاع عربي إسرائيلي مركزي إلى صراعات داخلية وإقليمية متشابكة.
المحطة الثالثة: الربيع العربي كنتيجة لإخفاق النظام العربي الرسمي
ترافق التحول الإقليمي مع أزمة بنيوية في النظام العربي الرسمي:
أولاً: ضاقت القاعدة السياسية والاجتماعية للسلطات الحاكمة، وتراجعت المشاركة الشعبية، وتحولت بعض الجمهوريات إلى أنظمة أسروية مغلقة وفاسدة تعتمد التوريث.
ثانياً: إخفاق النظام الرسمي العربي في مواجهة تحديات الصراع العربي – الإسرائيلي، بعد أن بنت هذه الدول جزءًا كبيرًا من شرعيتها على خطاب نصرة القضية الفلسطينية دون امتلاك أدوات فعلية لإدارتها أو التأثير في مسارها.
ثالثاً: فشل السياسات الاقتصادية في إنتاج تنمية مستدامة واقتصاد تنافسي، وفشلت في تحديث التعليم والإدارة والخدمات، ما راكم فجوات اجتماعية عميقة وأضعف الثقة بين المجتمع والدولة.
أطلقت انتفاضات الربيع العربي طاقة تغيير كبرى، ورفعت مطالب الحرية والمساءلة، إلا أن ضعف البنى المؤسسية للحراك الشعبي، وظهور الإسلاميين كأكثر الأطراف تنظيمًا، وتدخل القوى الإقليمية، وصراع الهويات، أدّى إلى نتائج متباينة: عودة الجيوش إلى السلطة في بعض الدول، مقابل انهيار الدولة أو تفككها في دول أخرى. فتحوّل الحراك من لحظة إصلاح سياسي محتمل إلى مسار اضطراب بنيوي وحروب داخلية وتنافس إقليمي مفتوح.
المحطة الرابعة: طوفان الأقصى وإعادة ترتيب الإقليم
طوفان الأقصى وحرب الإبادة الجماعية التي مارستها إسرائيل في غزة، والانتصار الإسرائيلي على حزب الله وحركة حماس وإيران، أدّى إلى انهيار محور الممانعة. تلا ذلك قيام الولايات المتحدة الأميركية بضرب المنشآت النووية الإيرانية، ما عزّز الدور الإسرائيلي على حساب العرب، ورسّخ إمساك أميركا بوجهات الأحداث في المنطقة ومآلاتها، وأعاد ترتيب الأولويات الأمنية الإقليمية.
أظهرت الحروب ضعف فاعلية استراتيجيات أذرع إيران ووكلائها، وكشفت الفجوة بين الخطاب التعبوي والقدرة العسكرية النظامية، وتراجع قدرة محور الممانعة على فرض توازن ردعي، كما أبرزت عدم فاعلية الخيارات العسكرية العربية في مواجهة الغرب وإسرائيل.
وبناءً على نتائج الحروب، انتقل مركز القرار العسكري إلى الدول لا التنظيمات، ودُفعت محاور إقليمية إلى مراجعات حول جدوى استراتيجيات الصدام المفتوح.
ترافق ذلك مع سقوط نظام الأسد وتفكك بنيته، وصعود دور تركي متنامٍ في سورية الجديدة سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا، مع سعي للحفاظ على سورية موحدة، وإضعاف مشاريع الأقليات لتأسيس أقاليم أو فدراليات إثنية أو قومية.
كذلك تعزّز الدور الإقليمي للمملكة العربية السعودية عبر دبلوماسية ناشطة أنهت حرب غزة وأنتجت مقررات قمة شرم الشيخ، وأعادت وصل ما انقطع عربيًا، وخفّفت حدّة الصراعات البينية. ويظهر نمط تنسيق بين تركيا ومصر والسعودية يهدف إلى إعادة التوازن للنظام الإقليمي العربي ومنع انفراد إسرائيل بالهيمنة العسكرية.
بالتوازي، تدفع إسرائيل، بدعم من إدارة دونالد ترامب، نحو مقاربة “السلام مقابل السلام” بدل مبدأ الأرض مقابل السلام، أي التطبيع والتعاون دون تسوية نهائية شاملة، كما تجسّد في الاتفاقات الإبراهيمية التي أرست نموذج اتفاقات ثنائية وظيفية خارج الإطار التفاوضي التقليدي للقضية الفلسطينية.
أسئلة مفصلية للمستقبل
1 – هل ما زال الخيار العسكري العربي ممكنًا؟
الوقائع تشير إلى فجوة تكنولوجية وعسكرية كبيرة. الخيار العسكري النظامي الشامل ضعيف الاحتمال، فيما تتقدم بدائل الردع غير المباشر، والتحالفات، والتوازنات الإقليمية، وأدوات الضغط الدبلوماسي والاقتصادي.
2 – هل السلام مع حكومات اليمين الإسرائيلي متاح؟ وبأي شروط؟
السلام الشامل صعب، لكن ترتيبات جزئية أو مرحلية ممكنة بضمانات دولية ومصالح متبادلة وأطر أمنية واضحة.
3 – ما مستقبل الإسلام السياسي السني والشيعي؟
الإسلام السياسي يعيش مرحلة إنهاك وفقدان نموذج الحكم الناجح. البديل المرجح هو صعود صيغ دولة وطنية مدنية محافظة الهوية، غير أيديولوجية.
4 – هل يتسيّد المشروع الصهيوني قرار المنطقة؟
لا تسيد مطلقًا لأي مشروع. السياسة الأميركية تقوم على إدارة توازن بين القوى الإقليمية الكبرى ومنع هيمنة طرف واحد.
الخلاصة والدلالة اللبنانية
بين المحطات الأربع، يتأكد أن الثابت الوحيد هو تبدل الموازين.
أما الدلالة اللبنانية في ذكرى رفيق الحريري، فهي أن تجربته كانت مشروع بناء دولة حديثة، أولويتها تسيير المؤسسات، والاقتصاد المزدهر، والانفتاح العربي والدولي، وربط الاستقرار الداخلي بشبكة مصالح خارجية متوازنة.
إن استذكار هذه التجربة اليوم هو تذكير بأن حماية لبنان لا تكون بالارتهان للمحاور، بل ببناء دولة قادرة ذات شرعية داخلية وعلاقات عربية ودولية راسخة.
الرسالة الأعمق: لا حماية لكيان بلا دولة، ولا دولة بلا مؤسسات، ولا مؤسسات بلا شرعية وطنية.