العلاقة بين عون وسعيد استراتيجية

يروي تاريخ المصرف المركزي في لبنان قصة بسيطة في ظاهرها، لكنها معقدة في أبعادها السلطوية: إن الانسجام بين رئيس الجمهورية وحاكم المصرف المركزي (وكلاهما من المكون الماروني عرفاً) لم يكن يوماً هو القاعدة، وعندما كان يحدث، كان يثير ريبة وقلق الطبقة السياسية التقليدية التي تعتاش على التناقضات.

دروس من التاريخ: جفاء الرؤوس الكبيرة

لم تكن العلاقة بين إلياس سركيس والرئيس سليمان فرنجية مريحة يوماً؛ فقد نظر فرنجية إلى سركيس بصفته منافساً سياسياً محتملاً أكثر منه خبيراً مالياً. وتكرر المشهد مع إدمون نعيم وأمين الجميل، حيث طغى التباعد وانعدام الثقة بين رجلين قدما من عالمين سياسيين متناقضين. وحتى في السنوات الأخيرة، ساد ما يمكن وصفه بـ “التعايش البارد” بين رياض سلامة وميشال عون. في النظام اللبناني، يُنظر دائماً إلى التقارب بين قصر بعبدا والمصرف المركزي كعامل تهديد لموازين القوى، لا كعنصر استقرار للدولة.

اليوم، يكتسب هذا السياق أهمية قصوى. فالعلاقة بين الرئيس جوزف عون والحاكم الحالي للمصرف المركزي ليست مجرد بروتوكول اجتماعي، بل هي علاقة استراتيجية. وهذا تحديداً هو المحرك الأساسي للاستياء المتصاعد في صالونات بيروت السياسية.

التناغم كفعل حوكمة.. لا مؤامرة

بعيداً عن نظرية المؤامرة، فإن عمل رئيس الجمهورية وحاكم المصرف المركزي بتناغم ليس عملاً تخريبياً، بل هو ممارسة طبيعية للحكم في الدول المستقرة. لكن في بلد اعتادت مؤسساته العمل بشكل مجزأ أو متنازع، يتحول التنسيق بين الرئاسة والسياسة النقدية إلى أداة قوية لإعادة بناء سلطة الدولة وتثبيت النظام المالي المنهار.

ما يجمع الرجلين، حسب المقربين منهما، هو تقاطع الأهداف: كلاهما يقدم نفسه كصاحب “مهمة” محددة، لا كباني “مسيرة سياسية” طويلة. الرئيس لا يسعى لتوريث سياسي عائلي، والحاكم القادم من خلفية مهنية صلبة في نيويورك والخليج، يؤكد بوضوح أن العمل العام لم يكن يوماً غاية بحد ذاته. في الستين من عمره، ينظر الحاكم إلى موقعه كمهمة تقنية لإدارة أزمة، لا كمنصة لإطلاق طموحات سياسية مستقبلية.

حملات التشويه: رد فعل النظام على “الغرباء”

تكشف الحملة الأخيرة ضد الحاكم عن حساسية النظام اللبناني تجاه الشخصيات الآتية من خارج “النادي التقليدي”. تاريخ الحكم في لبنان يفضل “المؤلف قلوبهم”: سياسيون، مصرفيون تقليديون، أو رجال أعمال يتقنون فن التسويات المرنة. أما الحكام المستقلون، فغالباً ما يجدون أنفسهم في مواجهة جدار صلب من الرفض.

لقد انطلقت شرارة الهجوم فور انتهاء المؤتمر الصحافي للحاكم، والذي أعلن فيه بوضوح:

  1. مواجهة الفساد: داخل أروقة المصرف المركزي ومع كبار المصرفيين.
  2. مسؤولية الدولة: المطالبة باعتراف الدولة بديونها تجاه المصرف كشرط أساسي لرد أموال المودعين.
  3. تحدي “القوى الموازية”: مواجهة مؤسسة “القرض الحسن” وفرض قيود صارمة على شركات الصرافة المرتبطة برعايات سياسية.

استراتيجية “المخاطرة” لا “المهادنة”

بالنسبة لشخص يُتهم بالسعي لطموح سياسي، تبدو خطوات الحاكم “غير مألوفة”. فبدلاً من كسب ود القطاع المصرفي، فرض قيوداً تشغيلية قاسية ورفض اللقاءات الجانبية مع جمعية المصارف. وبدلاً من استرضاء القوى السياسية، فتح ملفات قد تطال رؤوساً كبيرة.

هذا النهج، في العرف اللبناني، هو “مخاطرة” كبرى وليس “بناء مسيرة”. إن الجهات التي تقف خلف حملات التشويه تنتمي إلى التحالف التقليدي المستفيد من “اقتصاد الغموض” والترتيبات غير الرسمية. وعندما تتحرك الرئاسة والمصرف المركزي في اتجاه واحد، يفقد هؤلاء الوسطاء نفوذهم وقدرتهم على المناورة.

الخلاصة: إن ما نراه اليوم من هجمات إعلامية وتسريبات منسقة ليس خلافاً على أرقام أو سياسات نقدية فحسب، بل هو صراع بين نهج يحاول مأسسة الدولة ونهج يتمسك بالبقاء فوق أنقاضها.

شارك الخبر على:
Facebook
WhatsApp
X
Telegram