من أنقرة إلى أكثر من عاصمة إقليمية، يطلق رجل الأعمال بهاء الحريري مواقفه بوتيرة مدروسة، لكن برسائل تتجاوز التلميح إلى الوضوح الكامل.
مواقف لا تأتي في إطار ردّات الفعل، بل ضمن قراءة سياسي يعتبرها استباقية لمسار الأحداث في المنطقة، خصوصًا بعد السابع من تشرين الأول، حيث قدّم الحريري تصورًا متكاملًا لما جرى ويجري وما قد يأتي لاحقًا.في هذه القراءة، تبدو المنطقة مقبلة على متغيرات جذرية، في طليعتها ضبط النفوذ الإيراني الذي تمدّد خلال السنوات الماضية، دون الإسقاط من الحسبان أن عدم ارتداع طهران قد يفتح الباب أمام تحولات داخلية في إيران نفسها، بما يشبه تغييرًا من داخل النظام، لا مجرد تعديل في السلوك الإقليمي.
أما المتغيّر الثاني، فيرتبط بالاستراتيجية الأميركية التي تسعى إلى إبقاء الخرائط على حالها، ورفض أي تفكيك للدول الوطنية التي رُسمت حدودها منذ بدايات القرن العشرين. وفق هذا المنطق، لا مكان لخصوصيات قومية أو مذهبية أو مناطقية خارج إطار الدولة، وهو ما يفسّر موقف الحريري الداعم للدولة السورية في الأحداث الأخيرة، انطلاقًا من أولوية الحفاظ على الكيان لا إعادة إنتاج الفوضى.لكن ماذا تعني هذه القراءة في انعكاسها على الملف اللبناني؟ وفق مقاربة الحريري، لبنان أمام مرحلة انتقالية شاقة، تسبق الوصول إلى “المرحلة النهائية”. مرحلة تجمع بين الحسم والمراوحة، لكنها تسير حتمًا على إيقاع زلزال إقليمي واسع.من هنا، تتحوّل الانتخابات النيابية إلى جزء من هذه المرحلة الانتقالية، حيث لا حسم كامل ولا اندفاع نحو مواجهة سياسية شاملة. المشاركة، في هذا السياق، تبقى محكومة بحسابات دقيقة: دراسة التحالفات الممكنة في بعض الدوائر، وترك الأبواب مفتوحة أمام من يرغب بالاقتراب بعد الانتخابات.يتحرّك بهاء الحريري بين الداخل والخارج في آنٍ معًا، واضعًا قراءته الإقليمية في خدمة القرار اللبناني، فيما تبدو لحظة اتخاذ القرار أقرب من أي وقت مضى.