الذهب: انفجار فقاعة مكتملة الأركان


بودوان عبدالنور

منذ الانهيار المالي العالمي عام 2008، لم يشهد العالم عملية تضليل واستدراج جماعي بحجم ما جرى في سوق الذهب خلال السنوات الأخيرة. ما حدث ليس تصحيحًا عابرًا، بل انفجار فقاعة مكتملة الأركان.

نهار الخميس، خسر الذهب نحو 5.5 تريليونات دولار خلال أقل من 45 دقيقة، أي ما يعادل 48 مليار دولار في الدقيقة الواحدة، أو قرابة مليار دولار في كل ثانية. وخلال يومين ونصف فقط، ومع تراجع السعر إلى حدود 4400 دولار للأونصة، تجاوزت الخسائر 8 تريليونات دولار. هذا السقوط الجنوني يعيد التأكيد على قاعدة تاريخية واضحة: هبوط الذهب يكون دائمًا أعنف وأسرع من صعوده، مهما بلغ جنون هذا الصعود.

في موجة الهوس الأخيرة التي بدأت عام 2022، ارتفع الذهب من مستويات تقارب 1800 دولار إلى ما يفوق 5500 دولار. ثم خسر نحو 1200 دولار في أقل من ثلاثة أيام. ومع ذلك، واصلت بنوك استثمارية كبرى وخبراء اقتصاديون الترويج لأرقام خيالية: 8 آلاف، 10 آلاف، بل وصل بعضهم إلى الحديث عن 15 و20 و25 وحتى 100 ألف دولار للأونصة، في مشهد أقرب إلى فقاعة إعلامية منه إلى تحليل اقتصادي.

منذ أن تجاوز الذهب مستوى 2800 دولار، كان واضحًا أننا دخلنا منطقة الفقاعة. توقيت انفجارها لا يمكن التنبؤ به: كان يمكن أن تنفجر عند 3000 أو 4000 أو 5000 دولار، لكنها انفجرت عند حدود 5600. هذا هو جوهر الفقاعات: يمكن تشخيصها، لكن لا يمكن توقيت انفجارها بدقة.

كثيرون اشتروا عند 3000 و4000، وبعضهم عند 5000 دولار. من اشترى دون 4000 وخرج في الوقت المناسب، فذلك لا يُحسب فهمًا اقتصاديًا بل «حظًا أعمى» شبيهًا بربح ورقة يانصيب. الحظ وحده لا يصنع استراتيجية استثمار.

الأخطر لم يكن سلوك المستثمرين الأفراد، بل تورط عدد من «الخبراء» في ترويج أسباب واهية لصعود الذهب، تكررت كالببغاوات رغم تكذيبها بالبيانات الصلبة. يمكن تفنيد هذه الحجج واحدة تلو الأخرى:

أولًا: تهافت البنوك المركزية على شراء الذهب.

تشير البيانات إلى أن عام 2022 كان ذروة شراء البنك المركزية للذهب، حين كانت الأونصة بين 1700 و1800 دولار. بعد ذلك، تراجع الشراء بشكل ملحوظ، في وقت واصل فيه الذهب صعوده الجنوني. فلو كان الطلب الرسمي هو المحرك، لما وصل السعر إلى 5600 دولار بعد انحساره.

ثانيًا: الشراء الصيني «الجنوني».

الصين أوقفت شراء الذهب قرابة عام كامل، ثم عادت بكميات هامشية لا تقارن بالماضي. قبل الفقاعة، كانت تشتري ما بين 30 و40 طنًا شهريًا. خلال الفترة الأخيرة، لم تتجاوز مشترياتها طنًا واحدًا شهريًا، بل إن آخر بيان أظهر شراءً بقيمة نحو 330 مليون دولار فقط، أي أقل من طن واحد. أرقام هامشية لا تفسر فقاعة تريليونية.

ثالثًا: سقوط الدولار وتخلي البنوك المركزية عنه.

هذه أكبر الأكاذيب. قيمة الدولار اليوم مماثلة تقريبًا لقيمته في بداية صعود الذهب عام 2022، حين كانت الأونصة عند 1800 دولار. بل إن الصين نفسها، التي يُستشهد بها مثالًا على «التخلي عن الدولار»، اشترت في الشهر نفسه الذي اشترت فيه ذهبًا بقيمة 300 مليون دولار، ما يقارب 12 مليار دولار نقدًا. أي تخلي هذا والعالم يكدس الدولار؟

رابعًا: الأزمات الجيوسياسية

منذ بدء سقوط الذهب، هل تراجعت الأزمات أم تصاعدت؟ التوتر بين إيران والولايات المتحدة اليوم أشد مما كان قبل أسبوع، ومع ذلك انهار الذهب. ولو كانت الأزمات هي العامل الحاسم، لكان النفط — وهو الأكثر حساسية للجغرافيا السياسية — قد قفز صعودًا، لا أن يبقى متراجعًا أو راكدًا.

الخلاصة أن كل هذه الأسباب كانت وهمية، تخالف الأرقام والوقائع، لكنها رُوّجت إعلاميًا بلا مساءلة. الأرجح أن مسار الذهب انعكس، ودخلنا في اتجاه هابط قد يعيد الأونصة إلى حدود 2000 دولار، وربما أقل، خلال سنة أو أكثر. ليس هذا السيناريو جديدًا تاريخيًا، لكن كثيرين لا يقرأون التاريخ ويكتفون بالإشاعة.

قد يشهد الذهب ارتدادات ظرفية، خصوصًا إذا اندلعت مواجهة عسكرية كبرى، لكنه سيعود على الأرجح إلى مساره الانحداري. أما الذين يلوّحون بشبح الركود العالمي للترويج لمستقبل ذهبي مشرق، فهم يخلطون بين أساسيات الاقتصاد.

فالقاعدة الكلاسيكية واضحة:

في فترات التضخم، الذهب هو الملك، لأن فائض السيولة يضعف العملات، فيتحول الذهب إلى ملاذ يحفظ القيمة.
في فترات الركود، الكاش هو الملك، بسبب شح السيولة، فيبيع الناس الذهب والأسهم للحصول على الدولار.
في فترات الازدهار، الأسهم هي الملك، لأنها تولد عائدًا، بخلاف الذهب الذي لا يدر مردودًا.

بكلمة واحدة: الركود ليس صديق الذهب، بل مقبرته.


شارك الخبر على:
Facebook
WhatsApp
X
Telegram