بقلم حبيب شلوق
أمس كان 31 كانون الثاني 2026، وهذا التاريخ يعيدني 36 عاماً إلى الوراء (31 كانون الثاني 1990). كان منتصف الأسبوع (يوم أربعاء ـ حسب غوغل).
قرابة الساعة العاشرة صباحاً كنا من أوائل الواصلين إلى “سانتر إيفوار” في سنّ الفيل حيث كانت “النهار” قد اتخذت مكتباً مؤلفاً من طبقتين، الخامسة وربما السادسة أو الرابعة، وكنا جماعة العاملين في “الشرقية”. خصّصت لنا الإدارة مكتباً في منزل غسان تويني في محلة الدفوني في الأشرفية ثم في نزلة مطرانية بيروت المارونية في المنطقة نفسها.
يومها بكّرنا في المجيء لنرى “غلة السنة”، إذ كنا في نهاية كل عام ننتظر المفاجأة من الجريدة، والمفاجأة الأهم من مدير التحرير فرنسوا عقل الذي كان “يحكّرك” الزيادات على الرواتب، إذ هو “المبتدأ والخبر”، وله القرار الأول والأخير: فلان 2 في المئة زيادة على زيادة الجريدة، وفلان 3 وفلان 4 وفلان 5. وأعترف أنني كنت من جماعة الـ5. وكانت ثمة مجموعة من زملاء “النهار” منهم سركيس نعوم وسحر بعاصيري وأمين قمورية وحبيب شلوق وجورج سمرجيان تحظى بزيادة مميّزة نظراً إلى تقدير المدير الشخصي لنشاطهم.
يومها نزلنا في المصعد أنا وجورج وأحد الزملاء المصورين، وتحاشينا الحديث عن “الزيادة”، إذ كان كل منا يحاصر بالشيك الذي يحمله. وقال لي جورج: “أتصل بك” لاحقاً بعد تصوير الاشتباكات في أنطلياس، إذ كان العماد ميشال عون قد أعلن “حرب الإلغاء” مع “القوات اللبنانية” في اليوم نفسه، أي 31 كانون الثاني 1990.
ذهبنا كل في اتجاهه، لكن المفاجأة المحزنة جداً أنّه خلال اتصالاتي اليومية مع الجميع، من العماد عون إلى شقيقه إلياس (أبو نعيم) إلى نجله نعيم، والدكتور سمير جعجع والجيش والشعبة الخامسة في “القوات”، فاجأني الصديق نعيم عون، وكان متطوعاً في الصليب الأحمر في جلّ الديب والمنطقة، بالقول إننا نقلنا أحد مصوري “النهار” إلى المستشفى. ولما سألته عن اسمه أجابني: “اسمه صعب… كيفورك أو شيء من هذا”.
هنا تذكّرت اسم جورج سمرجيان مرتين. الأولى عندما أتى به معلم المصورين الصحافيين سام مزمانيا إلى “النهار” ليعرّفه على فرنسوا عقل الذي سأله: “شو اسمك؟” فرد: “اسمي كيفورك”. فسأله بعبوس: “كيفورك شو يعني؟” فأجاب مرتبكاً: “… يعني جورج”. فقال له فرنسوا عقل: “خلّينا على جورج”. وانطلق اسم جورج في “النهار” حتى أصبح نقيباً لمصوري الصحافة.
والمرة الثانية عندما رافقنا البطريرك مار نصرالله بطرس صفير إلى روسيا عام 1987 في الذكرى المئوية الأولى لتنصير روسيا. وعندما قدّمنا جوازي سفرنا اكتشف النائب البطريركي المطران رولان أن جورج سمرجيان اسمه في الجواز “كيفورك”، فراح يناديه طوال الرحلة باسم “كيفورك”.
عندما حدّثني نعيم عون عن مصور في “النهار” اسمه كيفورك، كان سهلاً عليّ معرفة المقصود. لكنني، وأنا المؤمن، رحت أصلي له وأتمنى ألا يكون هو. سارعت إلى الاتصال بفرنسوا عقل وأخبرته بما حصل، ثم بدأنا نتابع أخباره بين مستشفى في الأشرفية ثم الجامعة الأميركية في الحمراء، إلى أن كان ما كان، وصولاً إلى جنازته في رأس بيروت، ثم نقل الجثمان بعد هدوء الوضع إلى مدافن الأرمن في الزلقا.
31 كانون الثاني ذكرى مؤلمة جداً. فيها بدأت “حرب الصف الواحد” التي أودت بحياة كثيرين من بيئة واحدة، وأوقعت مئات الجرحى، ودفعت آلافاً إلى الهجرة. وهي حرب سقط فيها نقيب مصوري الصحافة جورج سمرجيان أول مصور صحافي شهيد في يومها الأول. والأكثر غرابة وإجراماً أن مسلحين أطلقوا النار من رشاشات على جورج تعمداً تحت جسر أنطلياس بينما كان يلتقط صوراً. والأكثر إجراماً أن الشيك الذي كان في جيبه اختفى بعدما سقط أرضاً، قبل أن تسارع الإدارة إلى إلغائه. علماً أن أحداً لم يعرف من هي الجهة التي أطلقت النار، وبقيت المعلومات مجرد تكهنات وتقديرات.
31 كانون الثاني كان صفحة مطوية مؤلمة، وتاريخاً سيئاً لا يُنسى في ذاكرة وطن.