د علي شعيب
كثيرون في عالمنا العربي يقرأون ما يجري حول إيران قراءة طائفية-مذهبية طبقا لخلفياتهم الدينية والثقافية. البعض يعتبره “استهداف للشيعة” أو “مشروع لتفكيك إيران”، بينما البعض الآخر يعتبره ضرورة “لتقليص نفوذ” نظام الملالي، وحاجة ماسة للخلاص من قبضة إيران وميليشياتها القاتلة. هذا الفهم هو، في المقام الأوّل، نفسّي، لا سياسّي.
الصورة التي تتظهّر اليوم، بشكل أوضح، تشير إلى أن ما يحصل هو صراع نفوذ وجغرافيا سياسية لا تخجل الإدارة الأميركية الحالية من الإعتراف به صراحة في وثائقها المنشورة.
ففي تقرير “استراتيجية الأمن القومي 2025” تتحدث واشنطن عن إعادة فرض وتطبيق عقيدة مونرو، ومنع “منافسين من خارج النصف الغربي للكرة الأرضية” (Western Hemisphere) من التحكّم بالممرّات البحرية والجوية الاستراتيجية داخل “الحديقة الخلفية” للولايات المتحدة الإميركية. وفي “استراتيجية الدفاع 2026” هناك لازمة “إستعادة الهيمنة العسكرية الأميركية في النصف الغربي”، واعتبار ذلك هدفا استراتيجيا مباشر.
هنا، نفهم لماذا وصف اليوم الرئيس الأميركي دونالد ترامب الوضع في كوبا بأنه “خطر.” فكلام ترامب يعكس الضغط المتزايد على كل ما يتعلّق بالحدود والممرّات والطرق التي تتعلق بالطاقة والبحار. مثل تهديدات بفرض رسوم على أي دول قد تتجرأ على تزويد كوبا بالنفط.
هذا يعني خنق آخر شريان اقتصادي لدى كوبا الفقيرة وتشديد الحصار عليها عبر “إعادة هندسة” تدفّق الطاقة والنفط عبر البحار والمحيطات. هذه ليست قضية كوبا وحدها، بل رسالة لكل من تسوّله نفسه (الصين، روسيا، إيران) التفكير بالتموضع داخل المجال الستراتيجي الأميركي كما حصل في خلال ولاية الديموقراطيين الذين “هادنوا” تلك الدول إلى حد بعيد.
وفي الشرق الأوسط، نرى نفس المنطق لكن بأدوات مختلفة: رفع جاهزية القوات الأميركية وزيادة الضغط على إيران عبر حضور بحري كبير (حاملة طائرات ضخمة وعدة مدّمرات استراتيجية)، مع إجراءات دفاعية إحترازية لتقليل نسبة التعرض للرّد الإيراني المتوقع. وفي مقابل ذلك، المزيد من رفع منسوب الأهازيج والأناشيد والردح الإيراني ضد “الإستعمار الأميركي” الجديد.
إذن، ما يجري حول العالم ليس مجرد حروب متنّقلة، بل إعادة رسم لمناطق النفوذ التي تشدّد القبضة الأميركية في النصف الغربي من العالم، وفرض التراجع والإنكفاء لخصوم الولايات المتحدة في الشرق الأوسط عبر القوة المادّية والتلاعب بالإقتصاد وإدارة المخاطر.