د.علي شعيب – هذه ليست حربا على الشيعة

شيعة إيران في الدول العربية التي يتواجدون فيها، ويتعاملون مع سكّانها ودولها بصفتهم جاليات لحرسها الثوري في تلك البلاد، يصفون ما يحدث حول إيران من عقوبات، وتهديدات، وتحشيد عسكري أميركي، والمحاولات الحثيثة لإدارة دونالد ترامب لخنق الاقتصاد الإيراني أكثر فأكثر بوصفه حملة ممنهجة ضد الشيعة والتشيّع ممكن أن يفضي إلى تفكيك إيران وانتقالها، من دولة مركزية قوية، إلى كيانات عرقية وإثنية مستقلّة مثل مناطق الأحواز وكردستان وبلوشستان وأذربيجان وغيرها.

هذا القلق المذهبي مفهوم، لأن منطقتنا دفعت ثمن الاستقطاب الإيراني الطائفي سنوات طويلة، ولأن “التفتيت” المذهبي حدث في أكثر من بلد عربي بأيادي عربية، لكن بإرادة وأوامر إيرانية بحتة.

لكن القراءة الطائفية وحدها تكون مُضللة وسطحية أحيانا. لذلك على المتابع الحصيف لمسار تدهور القوة الإيرانية في المنطقة وتقهقرها في أكثر من مكان أن يجد الأجوبة الأكثر دقّة في أماكن أخرى، بعيدة.

التفسير الأقرب إلى واقع الأمور أن ما يجري هو في عمقه صراع جيوسياسي له امتدادات في السياسيات الدولية ولعبة المحاور الإقتصادية الضخمة، وحاجة الولايات المتحدة لفائض هائل من الموارد الطبيعية إن هي أرادت فعلا كبح جماح التفوق الصناعي الصيني.

هنا، ينتقل الحديث إلى السياسات والمؤامرات الإمبريالية التي تخصّ تأمين وحماية النظم الجديدة للطاقة ، الممرات البحرية، النفوذ الإقليمي، والعلاقات العميقة بين إيران وروسيا والصين.

عندها فقط بالإمكان فهم اللعبة الحقيقية، ألا وهي أن واشنطن تضغط على طهران لأنها “عقدة استراتيجية” في كل هذه الملفات.

يعني الأميركي لا يفعل ما يفعله اليوم لأن إيران شيعية وتتبع ولاية الفقيه، وتنشر إرهابها في المنطقة يمنتة ويسار، بل لأنها، في ميزان “التمايز الإستراتيجي”، نقطة جيوستراتيجية مهمة جدا، مادّيا ومعنويا، بين روسيا والصين والشرق الأوسط.

والدليل أن الولايات المتحدة نفسها باتت تصوغ استراتيجيتها بلغة “المصلحة والنتيجة” أكثر من لغة العقيدة.

وفي الأشهر الأخيرة ركّزت واشنطن بشكل واضح على أدوات اقتصادية-لوجستية تستهدف تدفقات النفط والشحن والتأمين الإيرانية، ومنها عقوبات على ما تسميه “الأسطول الخفي” المرتبط بنقل النفط الإيراني بطرق التفافية. كما أن وثائقها الاستراتيجية تؤكد أن مقاربتها ليست قائمة على “أيديولوجيا سياسية تقليدية” بل على ما يخدم مصالحها في المراحل القصيرة والمتوسطّة.

أما حديث “تفكيك إيران”، فهو غالباً ورقة ضغط وتخويف أكثر من كونه خطة معلنة يمكن إثباتها.

نعم، إيران دولة متعددة القوميات، وهذا يجعل خطاب التفتيت قابلا للتسويق، لكنه أيضاً يدفع السلطة هناك لمزيد من القمع بحجة “حماية الوحدة الوطنية”، فتدخل البلاد في حلقة خوف وقمع وانفجار.

ما يجب أن يستخلصه القارىء من هذا التحليل البسيط بأن الجمهورية الإسلامية الإيرانية هي حاجة أميركية أكثر من كونها في العلن “العدّو التقليدي” ل “الشيطان الأكبر.” لكن، لن تنجخ إيران في العودة إلى وضعها السابق كقوّة إقليمية عسكرية واقتصادية عاتية، مع أذرع مذهبية إرهابية تلتف كخناق مُحكم على بلاد الشرق الأوسط. لكنها ستبقى دائما تحت سطوة النسر الأميركي إلى ما شاء الله.

لهذا، من مصلحة المواطن العربي العادي ألا يُستدرج إلى الثنائية الكلاسيكية القاتلة (سنّة و شيعة)، بل أن يسأل بعض الأسئلة اللمّاحة، مثل: من يربح من خنق إيران إقتصاديا؟ كيف تؤثر هذه المواجهة على أسعار الطاقة والغذاء لدينا؟ وكيف تُستخدم الطائفية والمذهبية لتسويق حرب المصالح تلك؟ وأخيرا، هل باستطاعتي فعل أي شيء لمساعدة إيران في تلك المنازلة الضخمة التي تدور رحاها بين قوى دولية عاتية؟

إذا ما طُلب مني الإجابة على السؤال الأخير، الذي يخصّ بعض أشاوس بيئة إيران في لبنان والعراق واليمن، المستشرسين للدخول في تلك المواجهة العظيمة، أردد، وبكل بساطة وعفوية، “هل رأيت يوما بعّوضة تسند حمارا؟”.

شارك الخبر على:
Facebook
WhatsApp
X
Telegram