لم تكن الوثائق المسربة من مركز التنسيق المدني العسكري (CMCC) مجرد مقترح هندسي لإيواء المشردين، بل هي إعلان عن ولادة نمط جديد من “الاستعمار الرقمي” الذي يتجاوز مفهوم السجن المفتوح إلى مفهوم “المختبر البشري”. إن اختيار مصطلح “المحميات” لوصف هذه التجمعات ليس مجرد استعارة بلاغية، بل هو تجسيد لسياسة “الضبط والسيطرة” التي تُدار بها الموارد البيئية، وتُطبق اليوم على البشر.
أولاً: “الأنسنة” كغطاء للمراقبة الشاملة
تطرح الخطة مفهوم “المجتمع السكني المخطط له” كحل إنساني، لكنها تدسّ “السم في العسل” عبر اشتراط المسح البيومتري. هنا، يتحول جسد الفلسطيني إلى بطاقة عبور، وتتحول البيانات الحيوية إلى صك غفران يُمنح من قِبل “وحدة تنسيق أعمال الحكومة” (COGAT). إنها محاولة لشرعنة الرقابة الإسرائيلية بجعلها شرطاً أساسياً للحصول على “الخدمات المدنية”، مما يعني أن الحق في الغذاء والدواء بات مقيداً بالولاء التقني للنظام الأمني.
ثانياً: استنساخ نموذج “البانتوستانات” بروح تكنولوجية
تعيدنا هذه المخططات إلى تاريخ “البانتوستانات” في جنوب أفريقيا، لكن بنسخة “ذكية”. فالمحمية المقترحة تهدف إلى عزل الكتلة البشرية داخل كانتونات محاطة بتكنولوجيا المراقبة، حيث تُدار “الحرية” عبر نقاط تفتيش لا تكتفي بتفتيش الأمتعة، بل تفتش الهويات الرقمية والبيانات الحيوية. هذا النموذج يضمن لإسرائيل السيطرة الأمنية الكاملة دون تحمل التبعات القانونية أو الأخلاقية للاحتلال المباشر، مستفيدة من غطاء “إعادة الإعمار” الدولي.
ثالثاً: فلسفة “نواظم الصيد” وكسر الإرادة
إن الإشارة إلى “نواظم الصيد” و”التوازن الطبيعي” في تحليل المخطط تعكس رؤية مرعبة؛ حيث يتم التعامل مع الفلسطيني ككائن يُسمح له بالبقاء بالقدر الذي لا يهدد “توازن” المنظومة الأمنية الإسرائيلية. هي سياسة “لا تموت ولا تعيش”، حيث يتم التحكم في مداخل ومخارج الحياة (طاقة، مياه، حركة) عبر مفاتيح تقنية تملكها تل أبيب، مما يجعل أي محاولة للتمرد تعني “الإقصاء الرقمي” من المحمية، وبالتالي الحرمان من أساسيات البقاء.
خاتمة تحليلية:
إن “غزة أولاً” في هذا العرض التقديمي ليست إلا حجر الزاوية في مشروع أوسع يهدف إلى تحويل قطاع غزة إلى أرخبيل من الجزر المعزولة أمنياً. إن خطورة هذا النموذج تكمن في أنه يُقدم للعالم كـ “إنجاز لوجستي” و”إعادة إعمار”، بينما هو في الحقيقة مأسسة أبدية للحصار، وتطوير لأدوات السيطرة لتصبح جزءاً من البنية التحتية للحياة اليومية.