يوليو 14, 2026
أخبار لبنان الرئيسية مقالات خاصة

الهيئات الناظمة في لبنان: إصلاح… (أم استنساخ) للمحاصصة؟

الهيئات الناظمة في لبنان: إصلاح... (أم استنساخ) للمحاصصة؟

بقلم : د. ياسر علال

مع عودة قضية الهيئات الناظمة إلى صدارة النقاشات في لبنان، ينقسم الرأي العام والمختصون بين فريق يرى فيها المدخل الأهم للإصلاح، وفريق آخر يراها مجرد «إعادة إنتاج» لتقاسم الحصص والمحاصصة بوجوه جديدة.

  • هل هي فكرة أجنبية فرضت على اللبنانيين؟ الجواب القاطع هو “لا”. هي فكرة حديثة نسبياً عالمياً، بدأ تعميمها في التسعينات للحد من احتكار الدولة للقطاعات وتخفيف تدخل السياسيين في الاقتصاد.
  • هل تختلف الهيئة الناظمة عن الوزارة؟ بالطبع. الوزارة ترسم السياسة العامة لقطاع معين، بينما الهيئة هي التي تتولى الإشراف والرقابة وتنظيم هذا القطاع بآليات شبه مستقلة.
  • هل تجربة الهيئات الناظمة في لبنان مشجعة؟ الجواب هنا يكتنفه الغموض. التجربة اليتيمة الأبرز هي “الهيئة المنظمة للاتصالات” (TRA) التي تأسست عام 2002. بدأت واعدة، ثم تعثرت لاحقاً بسبب التدخلات السياسية. (نذكر أيضاً لجنة الرقابة على المصارف، وهي هيئة ناظمة بمهام محددة).
الهيئات الناظمة بين مبدأين: التنظيم والتحكيم

تتلخص فكرة الهيئات الناظمة في مبدأين أساسيين، الأول هو أن الهيئة الناظمة هي بمثابة “حكم” يفصل بين الدولة (التي تضع السياسات) والقطاع الخاص (الذي يستثمر). والثاني هو أن هذه الهيئات يجب أن تكون مستقلة، بحيث تتمتع بالصلاحيات اللازمة لفرض القوانين بعيداً عن تقلبات السياسة.

(رسم بياني يوضح أماكن توزع الهيئات الناظمة في العالم)

نجد أن العالم يعتمد نماذج مختلفة في علاقة هذه الهيئات مع السلطة السياسية. ومنها:

أولاً: نموذج الاستقلال التام تعتمد بعض الدول، ولا سيما في الولايات المتحدة، نموذجاً مستقلاً تماماً، حيث تعتبر الهيئة خارج الهيكل الإداري للدولة بشكل كامل، وتتمتع بصلاحيات واسعة جداً تصل إلى حد إصدار تشريعات خاصة بالقطاع الذي تنظمه (مثل الاتصالات أو الطاقة) وفرض عقوبات مالية على الشركات المخالفة دون الرجوع إلى السلطة التنفيذية أو القضائية.

ثانياً: نموذج الاستقلال الإداري والمالي في معظم الدول الأوروبية (مثل فرنسا وبريطانيا)، تتمتع الهيئات الناظمة باستقلال إداري ومالي عن الوزارات المعنية، لكنها تبقى خاضعة لرقابة برلمانية، أو لمراجعة قضائية في بعض قراراتها. في هذا النموذج، تضع الحكومة السياسة العامة، وتقوم الهيئة الناظمة بتنفيذها والإشراف عليها بحيادية تامة. يتم تعيين أعضاء هذه الهيئات لفترات زمنية محددة ولا يمكن إقالتهم بسهولة، لضمان عدم خضوعهم لضغوط السلطة التنفيذية.

ثالثاً: نموذج التبعية للسلطة التنفيذية في بعض الدول (غالباً في الدول النامية)، يتم تشكيل هيئات تنظيمية تابعة للوزارات المعنية. هذه الهيئات لا تتمتع باستقلالية فعلية، وغالباً ما تكون مجرد أداة تنفيذية لقرارات الوزير المختص. هذا النموذج هو الأقل فعالية في تحقيق الأهداف المرجوة من الهيئات الناظمة، حيث يسهل التدخل السياسي في عملها.

أزمة الهيئات الناظمة في لبنان: أين المشكلة؟

المشكلة في لبنان ليست في القوانين (غالباً)، بل في الممارسة السياسية. فالقوانين التي أنشأت، أو نصت على إنشاء، هيئات ناظمة في قطاعات مثل الكهرباء والطيران المدني والاتصالات، منحت هذه الهيئات صلاحيات جيدة، لكن التدخل السياسي، ورفض بعض القوى السياسية التخلي عن سيطرتها على هذه القطاعات (التي تعتبرها “دجاجة تبيض ذهباً” لتمويلها أو لتوظيف مناصريها)، حال دون استكمال تعيينات هذه الهيئات، أو أدى إلى شلها وتجريدها من صلاحياتها.

هل نحتاج إلى هيئات ناظمة في لبنان؟

الجواب بلا تردد: نعم. بل هي حاجة ملحة. لكن السؤال الأهم: أي نموذج من الهيئات نحتاج؟ وما هي الشروط لنجاحها في بيئة سياسية معقدة كبيئة لبنان؟

  1. لا يمكن استنساخ نماذج خارجية وتطبيقها حرفياً في لبنان. يجب تفصيل “نموذج لبناني” يأخذ بعين الاعتبار الواقع السياسي والمؤسساتي، لكن دون التنازل عن مبدأ الاستقلالية.
  2. الهيئات الناظمة ليست بديلاً عن الوزارات. يجب تحديد صلاحيات كل منهما بوضوح. الوزارة تضع السياسة، والهيئة تنظم وتراقب.
  3. الاستقلالية لا تعني انعدام الرقابة. يجب أن تخضع هذه الهيئات لرقابة برلمانية صارمة، ولرقابة الأجهزة الرقابية (مثل ديوان المحاسبة).
  4. معايير التعيين هي الأساس. يجب أن يتم اختيار أعضاء الهيئات الناظمة بناءً على الكفاءة والخبرة والنزاهة، وليس على أساس المحاصصة الطائفية أو السياسية. إذا تحولت الهيئات الناظمة إلى مجرد “مجالس إدارة مصغرة” للمحاصصة السياسية، فلن تكون هناك أي فائدة من إنشائها، بل ستكون عبئاً إضافياً على الخزينة.
ما هي التحديات التي تواجه إنشاء الهيئات الناظمة؟
  • التحدي الأول والأكبر هو رفض القوى السياسية التخلي عن سيطرتها على القطاعات الحيوية، وخاصة قطاع الكهرباء الذي يشكل أحد أكبر مزاريب الهدر والفساد في الدولة. لقد تم ربط المساعدات الدولية للبنان (مثل قروض البنك الدولي أو مساعدات صندوق النقد) بإصلاح قطاع الكهرباء، وتحديداً بتعيين الهيئة الناظمة للقطاع، إلا أن التجاذبات السياسية لا تزال تعرقل هذه الخطوة.
  • التحدي الثاني هو التداخل في الصلاحيات بين الوزارات والهيئات الناظمة، والذي يؤدي إلى شلل في اتخاذ القرارات. يجب حسم هذا التداخل قانونياً، وتكريس استقلالية الهيئات الناظمة عن سلطة الوزير المختص.
  • التحدي الثالث هو توفير التمويل اللازم لعمل هذه الهيئات وتأمين استقلاليتها المالية لكي لا تكون خاضعة لابتزاز السلطة التنفيذية من خلال موازناتها.
الخلاصة: لا إصلاح دون هيئات ناظمة مستقلة

يجمع الخبراء والمؤسسات الدولية على أن إنشاء هيئات ناظمة مستقلة وفعالة هو شرط أساسي لأي عملية إصلاح اقتصادي وهيكلي في لبنان. هذه الهيئات هي الضمانة الوحيدة لتنظيم القطاعات الحيوية، وتشجيع الاستثمارات، ومنع الاحتكار، وتقديم خدمات ذات جودة عالية للمواطنين.

لكن، طالما استمرت العقلية السياسية القائمة على المحاصصة وتقاسم المغانم، فإن أي محاولة لإنشاء هيئات ناظمة ستكون محكومة بالفشل، وستتحول إلى مجرد واجهة وهمية لإصلاح مفقود.