يوليو 11, 2026
مقالات خاصة الرئيسية

خاص- من بورتسودان إلى عواصم الإقليم… البرهان يبحث عن شرعية جديدة للسودان بعد الحرب

خاص- من بورتسودان إلى عواصم الإقليم… البرهان يبحث عن شرعية جديدة للسودان بعد الحرب

السودان الذي خرج من الخرطوم تحت النار، يحاول اليوم أن يعيد إنتاج نفسه من بورتسودان، ولكن هذه المرة وفق قواعد جديدة تضعها المؤسسة العسكرية، وتبحث لها عن اعتراف إقليمي ودولي.
صحيفة إيرلندية كشفت، استناداً إلى وثيقة رسمية مسربة من مكتب رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، أن القيادة العسكرية لا تفكر في إدارة الحرب فقط، بل في إدارة مرحلة ما بعدها أيضاً، عبر مشروع سياسي متكامل يرسم ملامح السودان لخمس سنوات مقبلة، ويعيد توزيع السلطة ومراكز القرار وموازين النفوذ داخل الدولة.
الوثيقة، المؤرخة في السادس عشر من حزيران 2026، تحمل توجيهاً سرياً من مدير مكتب رئيس مجلس السيادة اللواء طارق سعود أحمد حسون إلى رئيس مفوضية السلام الدكتور سليمان الدبيلو، بناءً على تعليمات مباشرة من البرهان، لإعداد ما سمي “الرؤية السياسية والاستراتيجية الشاملة للسودان”.
ويقوم المشروع المقترح على مرحلة انتقالية مدتها خمس سنوات، تتولى إدارتها سلطة يقودها رئيس للجمهورية وحكومة من التكنوقراط، على أن تنتهي المرحلة بانتخابات عامة. وفي موازاة ذلك، يدعو المشروع إلى إطلاق حوار سوداني داخلي يقتصر على القوى التي تعتبرها السلطة الوطنية وغير المتورطة في دماء السودانيين، مع رفض أي نتائج أو تفاهمات تصدر عن مؤتمرات أو منصات سياسية تعقد خارج البلاد.
في جوهر هذه الرؤية محاولة واضحة لاستعادة القرار السياسي إلى الداخل السوداني، وسحب الملف من يد المبادرات الدولية والإقليمية التي تولت خلال السنوات الماضية رعاية مسارات التسوية والانتقال السياسي.
لكن الخرائط الجديدة لا ترسم داخل السودان فقط، فالوثيقة تكشف أيضاً عن جهد متوازٍ لإعادة بناء شبكة الدعم الخارجي للمشروع السياسي والعسكري الجديد.
وتحتل الرياض موقعاً محورياً في هذه الحسابات، إذ تدعو الوثيقة إلى تفعيل المجلس الأعلى للتعاون والتنسيق الاستراتيجي مع المملكة العربية السعودية، وتعزيز الشراكات الاقتصادية والمالية مع دول الخليج، بالتزامن مع تحرك لاستعادة عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي، والسعي إلى رفع القيود الدولية وإطلاق عملية إعادة إعمار واسعة لما خلفته الحرب.
وتشير التقديرات السياسية إلى أن البرهان والقيادة العسكرية ينظران إلى السعودية باعتبارها البوابة الأهم لتوفير الشرعية السياسية والإسناد الإقليمي للمشروع الجديد، مستفيدين من ثقل الرياض العربي والأفريقي والدولي.
ولم تتوقف محاولات البحث عن الحلفاء عند الخليج، فأنقرة دخلت بدورها إلى الحسابات الجديدة، إذ تحدثت تقارير عن عرض البرهان خلال زيارته الأخيرة إلى تركيا تفاصيل الإطار السياسي للمشروع على الرئيس رجب طيب أردوغان، سعياً إلى تأمين دعم سياسي وربما عسكري يعزز موقع السلطة المتمركزة في بورتسودان.
وفي خلفية هذه التحولات يبرز سؤال آخر يتعلق بمصير مفوضية السلام التي ولدت بعد عام 2019 لتكون الجهة المسؤولة عن تنفيذ اتفاق جوبا وإدارة التفاوض مع الحركات المسلحة.
الوثيقة تقدم تفسيراً واضحاً للتراجع التدريجي في دور المفوضية، إذ يبدو أن الصلاحيات انتقلت تباعاً إلى المؤسسات السيادية والعسكرية والأمنية التي تدير المشهد من بورتسودان، في مؤشر إلى انتقال مركز القرار السياسي والأمني من المؤسسات الانتقالية إلى المؤسسة العسكرية نفسها.
ومن بين أكثر البنود حساسية في الوثيقة ذلك المتعلق باستبعاد كل من “تلطخت يداه بدماء الشعب السوداني” من أي حوار وطني مقبل.
هذه العبارة، بحسب قراءات عدد من المحللين، ليست مجرد توصيف سياسي، بل تحمل أبعاداً قانونية وسياسية عميقة، إذ تسمح بتقديم الجيش باعتباره حارس الشرعية الدستورية وحامي الدولة، وفي الوقت نفسه تفتح الباب أمام إبعاد القيادة العسكرية عن الاتهامات المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب التي ارتبطت بمسار النزاع السوداني.
وبحسب التقرير، يقوم المشروع بأكمله على ثلاثة أهداف استراتيجية واضحة.
الهدف الأول يتمثل في ضمان استمرار المؤسسة العسكرية في إدارة الدولة طوال المرحلة الانتقالية، مع تثبيت موقع البرهان في رأس هرم السلطة.
أما الهدف الثاني فهو إعادة صياغة العملية السياسية بعيداً عن الأمم المتحدة والمنصات الدولية والإقليمية، عبر رفض الحوارات الخارجية وحصر صناعة التسويات داخل السودان.
في حين يتمثل الهدف الثالث في الحفاظ على تماسك التحالفات العسكرية القائمة، خصوصاً مع الحركات المسلحة في دارفور، ومنع ظهور اصطفافات جديدة يمكن أن تهدد التوازنات الحالية أو تعرقل خارطة الطريق التي يجري إعدادها.
في المحصلة، لا تبدو الوثيقة مجرد خطة إدارية لتنظيم مرحلة انتقالية، بل مشروعاً سياسياً كاملاً لإعادة تعريف السلطة السودانية بعد الحرب، يقوم على دعم إقليمي، وعلى إعادة توزيع مراكز النفوذ داخل الدولة، وعلى محاولة إنتاج شرعية جديدة تنطلق من بورتسودان وتبحث عن اعترافها في الرياض وأنقرة.
لكن السؤال الذي يبقى مفتوحاً هو ما إذا كان السودان قادراً على الوصول إلى الاستقرار عبر مشروع أحادي تقوده المؤسسة العسكرية، أم أن مثل هذه المقاربة ستؤدي إلى إطالة أمد الحرب وتأجيل التسوية الشاملة التي ينتظرها السودانيون.