يقف العراق على عتبة مرحلة أمنية وسياسية بالغة الدقة، إثر تحديد الحكومة يوم 30 أيلول/سبتمبر المقبل موعداً نهائياً لتسليم السلاح وحل التشكيلات المسلحة الخارجة عن إطار الدولة. وتكتسب هذه الخطوة أهمية استثنائية لتزامنها مع استكمال إنهاء وجود قوات التحالف الدولي، ما يضع حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي أمام اختبار حاسم لفرض سيادتها واحتكار قرارها الأمني، لا سيما قبيل زيارته المرتقبة إلى واشنطن.
30 أيلول.. لا تمديد ولا استثناءات
وفي حين تتجه الأنظار إلى هذا الاستحقاق، تؤكد بغداد أن المهلة قطعية ولن تشهد أي تمديد أو استثناءات. وأعلن المتحدث باسم الحكومة العراقية حيدر العبودي، الاثنين، أن 30 أيلول هو الموعد الأخير لتسليم السلاح، مشدداً على أن أي سلاح يبقى خارج سيطرة الدولة بعد هذا التاريخ سيُعد “سلاحاً غير منتظم”، وستتعامل معه السلطات المختصة وفقاً للقانون.
وكشفت مصادر عراقية مطلعة لـ”النهار” أن الزيدي أبلغ قادة الفصائل المسلحة، والقوى السياسية الداعمة لها ضمن “الإطار التنسيقي”، بأن الامتناع عن تسليم السلاح أو استمرار العمل خارج المؤسسات الرسمية بعد انقضاء المهلة سيُعد مخالفة صريحة، وسيواجه بإجراءات حازمة من قبل الدولة، بصرف النظر عن حجم النفوذ السياسي أو الغطاء الذي تتمتع به أي جهة.
اختبار حاسم لـ”هيبة الدولة”
تتجاوز هذه الخطوة البعد الأمني لتمس صلب أزمة معقدة يعيشها العراق منذ عام 2003، والمتمثلة بنفوذ جماعات مسلحة تمتلك ترسانة عسكرية وتنظيماً مستقلاً، وترتبط في الوقت عينه بقوى فاعلة في البرلمان والحكومة، وهو ما أفشل محاولات الحكومات السابقة لضبط هذا الملف.
وتزداد حساسية الموقف مع إعلان فصائل بارزة، في طليعتها “كتائب حزب الله” و”حركة النجباء” و”كتائب سيد الشهداء”، رفضها العلني التخلي عن سلاحها، ناهيك عن ظهور واجهات تنظيمية جديدة لفصائل نافذة. وتشير المصادر إلى أن إصرار الحكومة على تطبيق القانون بشكل شامل قد يفتح الباب أمام مواجهة مباشرة، وتحديداً في حال اضطرت السلطات إلى تنفيذ مذكرات توقيف أو مصادرة مخازن الأسلحة.
ويستند الزيدي في حراكه هذا إلى تقاطع إيجابي بين دعم سياسي داخلي لإنهاء ظاهرة “السلاح المنفلت”، وتأييد شعبي متنامٍ لتعزيز هيبة الدولة، فضلاً عن غطاء دولي وأميركي واضح يربط استمرار التعاون الأمني والاقتصادي مع بغداد بضرورة حصر السلاح بيد المؤسسات الدستورية.
سيناريوات التصعيد والصدام
في هذا السياق، يرى المستشار العسكري اللواء جواد الدهلكي، في حديث لـ”النهار”، أن احتمالات وقوع صدام بين الدولة وبعض الفصائل المسلحة باتت مرجحة أكثر من أي وقت مضى، إذا استمرت الأخيرة في رفض الانصياع للقرارات الرسمية، مقابل تمسك الزيدي بمشروعه السيادي.
ويؤكد الدهلكي أن العراق يقف أمام مفترق طرق مفصلي؛ فإما فرض سلطة الدولة العسكرية بمظلة واحدة، أو الانزلاق نحو مواجهة خطيرة إن لم تُسجل أي انفراجة أو تسوية سياسية خلال الفترة المقبلة. ويضيف أن المعطيات الحالية تختلف كلياً عن تجارب الماضي، نظراً لوجود إرادة سياسية داخلية وغطاء دولي لترسيخ سيادة القانون.
ويحذر المستشار العسكري من أن أي تراجع حكومي عن تنفيذ هذا القرار سيشكل ضربة قاضية لهيبة الدولة ويُعيد إنتاج الفوضى، في حين أن المضي به سيمثل “الامتحان الأصعب” لقدرة بغداد على إخضاع الجميع للقانون بلا استثناءات، خاتماً بأن الرهان الأفضل يبقى على تسويات سياسية تُفضي إلى تسليم السلاح بصورة طوعية.
