رد مفتوح على النائب محمد رعد
خرج علينا رئيس كتلة الوفاء للمقاومة، النائب محمد رعد، بتصريح يختزل أزمة لبنان بأكملها: فصيلٌ مسلح يتحدث باسم الدولة، يصادر قرارها، يوزع عليها النصائح والتحذيرات، ثم يطالبها بأن تقف كـ “تلميذ” يقرأ مقررات تسوية أميركية-إيرانية كُتبت دماء اللبنانيين في هوامشها.
إذا كان لا بد للسلطة أن تقرأ “نص وثيقة التفاهم بشكل دقيق وموضوعي” كما يطالب النائب رعد، فإنه من الأجدى والأولى أن تقرأ المقاومة واقع لبنان المنهار بشكل أدق وأكثر موضوعية. وإليك القراءة الحقيقية لما بين سطور هذا التصريح:
- إيران تفاوض وأميركا توقع.. ولبنان يدفع الفاتورة!
يتباهى التصريح بوثيقة تفاهم بين “إيران الحليفة” و”أميركا”، ويطلب من السلطة استخلاص العبر.
المفارقة العجيبة: كيف تصبح أميركا التي تصفونها بـ “الشيطان الأكبر” شريكاً صالحاً للتفاهم عندما تجلس مع المفاوض الإيراني، وتصبح “عدواً وحليفاً للعدو” عندما تحاول الدولة اللبنانية التفاوض عبرها لحماية سيادتها؟
الحقيقة المرة: إيران تفاوض لمصالحها، ترفع العقوبات عن اقتصادها، وتضمن أمن نظامها، بينما يُطلب من لبنان أن يكون مجرد “صندوق بريد” تصرف فيه طهران أوراقها التفاوضية. لبنان ليس ملحقاً بأي وثيقة لا تكون فيها دولته هي صاحبة التوقيع الأوحد. - مهلة الشهرين: من يملك قرار الحرب والسلم؟
يُحدد النائب رعد مهلة “ستين يوماً” للعدو للانسحاب، مانعاً أي تفاوض مباشر، ومفصّلاً شكل التفاوض غير المباشر.
اغتصاب الصلاحيات: بأي صفة دستورية يحدد فصيل سياسي/مسلح المهل الزمنية للدول وللأمم المتحدة وللعدو؟ إن مصادرة قرار الحرب والسلم لم تكن كافية، بل وصلنا اليوم إلى مصادرة قرار “الهدنة والتفاوض”.
الهروب إلى الأمام: التفاوض لتفعيل اتفاقية الهدنة هو من صلب مهام الدولة اللبنانية حصراً (وفق اتفاق الطائف والدستور)، ولا يحتاج إلى “إذن مرور” أو شروط مسبقة يضعها طرف لبناني ليحفظ ماء وجهه بعد أن أدخل البلاد في حرب استنزاف لم تخدم سوى أوراق التفاهم الإيرانية. - نصائح التخوين المبطن: الدولة ليست عدواً!
“المقاومة تنصح السلطة بعدم التوغل المباشر مع العدو في استهداف المقاومة…”
لغة الاستعلاء: هذا المقطع هو الأخطر. إنه يحمل اتهاماً مبطناً للسلطة الشرعية وللجيش اللبناني ومؤسسات الدولة بالعمالة المبطنة أو القابلية لها.
تصحيح المفاهيم: السلطة اللبنانية (رغم كل علاتها) لا تتآمر مع العدو. السلطة تحاول إنقاذ ما تبقى من كيان دمرته مغامرات خارجة عن الإجماع الوطني. التهديد المبطن للدولة ومؤسساتها بحجة “حماية المقاومة” هو انقلاب على فكرة “الدولة” بحد ذاتها. مصلحة اللبنانيين لا تتحقق بفرض الوصاية عليهم بالترهيب الفكري والسياسي. - عن أي “فشل” تتحدثون فوق رماد الوطن؟
يختم التصريح بإعلان “فشل” حرب العدو في الإجهاز على المقاومة، مؤكداً الاستعداد للتفاهم الداخلي.
انتصار على الأنقاض: إذا كان معيار الانتصار هو مجرد البقاء على قيد الحياة عسكرياً، فماذا عن القرى التي سُويت بالأرض؟ ماذا عن الاقتصاد الذي تبخر؟ ماذا عن الأرواح التي أُزهقت والسيادة التي نُتهكت برّاً وبحراً وجوّاً؟ لا يمكن لأي فصيل أن يعلن انتصاره على حساب هزيمة ساحقة للوطن بأكمله.
الحوار المشروط: الدعوة للتفاهم الوطني الداخلي تأتي دائماً مصحوبة بعبارة “دون تذرع بضغوط”. الترجمة الفعلية لها هي: “تعالوا لنتفاهم، ولكن بشروطنا، وتحت سقف سلاحنا، وبموجب التفاهم الإيراني-الأميركي”.
خلاصة القول:
لقد سئم اللبنانيون من لغة “الفتاوى السياسية” التي توزع الأدوار، فتجعل من الدولة مجرد “باشكاتب” يسجل المهل، ومن الشعب درعاً بشرياً لسياسات المحاور.
الرد الحقيقي على هذا النهج ليس استجداء السلطة لتقرأ تفاهمات طهران وواشنطن، بل في نهضة وطنية سيادية تقول بوضوح: لا وصاية على لبنان بعد اليوم، لا لإيران ولا لغيرها. السلاح الشرعي الوحيد هو سلاح الجيش، والقرار الأوحد هو قرار الدولة. وما عدا ذلك، فهو استمرار في نهج الانتحار الذي لم يُنتج إلا الخراب.
بقلم: أسعد نمور
