يشهد لبنان اليوم فرزاً سياسياً واضحاً بين نموذجين متناقضين في الرؤية والوظيفة والمصير. النموذج الأول تمثّله الدولة اللبنانية الساعية إلى استعادة قرارها الوطني المستقل بعد عقود طويلة من مصادرة هذا القرار، بدءاً من اتفاق القاهرة، مروراً بالوصاية السورية ثم الوصاية الإيرانية، وصولاً إلى مرحلة هيمنة السلاح المرتبط بالمشروع الإيراني على القرار اللبناني.
أما النموذج الثاني، فيمثّل إيران التي تنظر إلى لبنان بوصفه جزءاً من شبكة نفوذها الإقليمي. فهذه الدولة لم تتردد في تحويل الساحات العربية إلى أوراق تفاوض تستخدمها على طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة، وكان لبنان واحداً من أبرز هذه الأوراق، بعدما دفع اقتصاده وشعبه وجنوبه المدمّر أثماناً باهظة نتيجة هذا التموضع. وفي الداخل اللبناني، هناك من يقبل طوعاً بدور “قربان الفداء” في سبيل هذا المشروع، انطلاقاً من اعتبارات أيديولوجية عميقة ومتجذرة تاريخياً.
اليوم يختبر هذان النموذجان نتائج الاتفاق الأميركي – الإيراني، وسط صراع حقيقي على تثبيت القواعد والمعادلات التي ستحكم المرحلة المقبلة. وفي هذا السياق، يظهر رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام وكأنهما يشكلان جسماً سياسياً واحداً وإرادة واحدة في رفض التراجع عن خيار التفاوض المباشر. فالتفاوض المباشر بالنسبة إلى الدولة ليس مجرد آلية تقنية، بل هو الطريق إلى وقف الحرب، وتأمين الانسحاب الإسرائيلي، ومعالجة ملف السلاح غير الشرعي، وانتزاع الورقة التفاوضية من أيدي الآخرين وإعادتها إلى الدولة اللبنانية.
في المقابل، يبدو أن حزب الله، وفق ما يعبّر عنه مسؤولوه وإعلامه السياسي، يفضّل أن تشارك الدولة اللبنانية في منطق التضحية الذي اعتمده هو، وأن يتحمل لبنان كله الكلفة نفسها التي تحملتها بيئته خدمةً للمشروع الإيراني. إنها معادلة قد تبدو غريبة، لكنها شديدة الوضوح.
الطرفان صادقان في خياراتهما: الدولة اللبنانية صادقة في سعيها إلى استعادة القرار الوطني المستقل، وحزب الله صادق في اندماجه الكامل بالمصلحة الإيرانية. وبين هذين الخيارين، ستكون مهلة الستين يوماً المقبلة اختباراً حقيقياً لمعرفة أي مشروع سيتمكن من فرض نفسه على مستقبل لبنان.
الرئيسية
مقالات خاصة
الموقف اليوم- فرز بين نموذجين
- by Mohammad Ahmad
- 0 Comments
- Less than a minute
- ساعتين ago
