يقف لبنان اليوم أمام فرصة أخيرة لانتزاع مكاسب سياسية وسيادية من قلب الحرب، عبر استراتيجية تفاوضية تقوم على تثبيت المصالح اللبنانية بعيداً عن الحسابات الإيرانية والإسرائيلية معاً. فإعلان واشنطن لا يمثل نهاية المسار، بل يشكل بداية طريق طويل وصعب هدفه استعادة السيادة، وعودة النازحين، وإعادة إعمار الجنوب، ومنع تحويل لبنان مجدداً إلى ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين.
انطلقت الاستراتيجية اللبنانية من مقاربة واقعية تعترف بموازين القوى القائمة، وتستند إلى وقف إطلاق نار لمدة ستة أسابيع يترافق مع محاولتين جديتين لتثبيته وضمان التزام الطرفين به. كما نجحت في انتزاع اعتراف أميركي بأن المدخل العملي الوحيد للاستقرار يتمثل في استعادة الدولة اللبنانية سلطتها تدريجياً عبر الجيش اللبناني وفق إمكاناته، وصولاً إلى بسط السيطرة الكاملة على منطقة جنوب الليطاني التي فقدت الدولة قدرتها على التحكم بها نتيجة ربط الساحة اللبنانية بسياسات الإسناد الإيرانية.
في المقابل، يظهر التملص الإسرائيلي كأحد أبرز العقبات أمام نجاح المسار التفاوضي. فالحكومة الإسرائيلية لا تزال تتعامل مع المفاوضات بعقلية تحقيق مكاسب إضافية تتجاوز الأهداف الأمنية المعلنة، فيما يسعى بنيامين نتانياهو إلى توظيف الحرب انتخابياً والظهور بصورة القائد الذي لا يتراجع. وقد بلغ الأمر حد توجيه انتقادات مباشرة للموقف الإسرائيلي باعتباره يعرقل فرص التسوية ويخدم، من حيث النتيجة، المصالح الإيرانية التي تستفيد من استمرار النزاع وتعطيل أي استقرار دائم.
أما على الضفة الأخرى، فإن التآمر الإيراني على المصلحة اللبنانية لم يعد مجرد اتهام سياسي، بل واقعاً أثبتته الوقائع. فإيران لم تدفع ثمن الحرب على الأرض اللبنانية، بينما تحمل اللبنانيون وحدهم كلفة الدماء والدمار والنزوح والانهيار الاقتصادي. كما أن ربط الجنوب اللبناني بمشروع إقليمي أوسع أدى إلى خسارة الدولة جزءاً من سيطرتها على أراضيها وإدخال لبنان في مواجهة لا تتناسب مع قدراته ولا مع مصالحه الوطنية.
ومن هنا جاءت أهمية الفصل الكامل بين المفاوضات الخاصة بلبنان وأي مفاوضات أو صفقات إقليمية أخرى. فالمصلحة اللبنانية تقتضي أن يكون القرار لبنانياً خالصاً، وأن تتحول إسرائيل إلى الطرف المطالب بالتجاوب مع الحقوق اللبنانية، لا أن يبقى لبنان رهينة صراعات المحاور. وقد نجح الوفد اللبناني في تثبيت ملفات أساسية تتعلق بعودة السكان إلى قراهم، ورفع مطلب العودة إلى بنت جبيل، وربط أي استقرار مستدام بإعادة الإعمار وعودة الحياة الطبيعية إلى الجنوب.
صحيح أن المكاسب المحققة حتى الآن ما تزال محدودة، إلا أنها تشكل بداية عملية لاستعادة الدولة دورها ولمعالجة نتائج الحرب. كما أنها كشفت التناقضات داخل إسرائيل نفسها، وأعادت وضع الأولوية حيث يجب أن تكون: حماية لبنان وسيادته ومصالح شعبه.
أما البديل عن هذا المسار، فليس انتصاراً لمحور الممانعة كما يروّج البعض، ولا عودة لنفوذ إيراني فقد جزءاً كبيراً من قدرته على فرض الوقائع، بل استمرار الحرب واتساعها وتفاقم الخسائر نتيجة الاختلال الواضح في التوازن العسكري. لذلك تبدو الفرصة الحالية بمثابة الفرصة الأخيرة قبل الدخول في مرحلة أكثر قسوة وأكثر كلفة على اللبنانيين.
بين استراتيجية تفاوض لبنانية تسعى إلى حماية الدولة، وتملص إسرائيلي يعرقل الحلول، وتآمر إيراني دفع لبنان أثمانه الباهظة، يبقى الرهان على تثبيت اتفاق يؤمن الأمن والسيادة والعودة والإعمار، ويعيد القرار اللبناني إلى أصحابه.
الرئيسية
النشرة المسائية
مقالات خاصة
المسائية- بدون أوهام… تفاوض الفرصة الأخيرة
- by Mohammad Ahmad
- 0 Comments
- Less than a minute
- ساعتين ago
