لم يكن الإعلان السعودي عن استئناف استقبال الصادرات اللبنانية مجرد خطوة اقتصادية، بل حمل دلالات سياسية أوسع تعكس عودة تدريجية للتعامل مع لبنان عبر بوابة مؤسسات الدولة الشرعية. وتزامن وصول الموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان إلى بيروت مع حراك دبلوماسي موازٍ في باريس، حيث أجرى وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجّي محادثات مكثفة ركزت على دعم الجيش اللبناني، ومستقبل قوات الطوارئ الدولية، ووقف التوسع الإسرائيلي.
وتبرز في الأروقة الفرنسية مخاوف جدية، عبّر عنها الرئيس إيمانويل ماكرون مؤخراً، من مساعي إسرائيل للتوسع داخل الأراضي اللبنانية وتهجير السكان. وفي الوقت ذاته، تعتبر باريس أن معالجة ملف سلاح “حزب الله” تشكل ممراً إلزامياً في أي مقاربة جدية لاستقرار لبنان.
ترحيب فرنسي بمواقف لبنان الرسمية
خلال لقائه في باريس، بحث الوزير رجّي مع نظيره الفرنسي جان نويل بارو ملفات حساسة دفعة واحدة، أبرزها: المفاوضات، دعم الجيش، مستقبل “اليونيفيل”، الحدود مع سوريا، وحصر السلاح بيد الدولة.
ووصف بارو القرارات والمواقف التي اتخذتها السلطة السياسية اللبنانية منذ الصيف الماضي بـ”الشجاعة”، مجدداً تضامن فرنسا مع مسار التفاوض الذي تسلكه بيروت رغم عدم انخراط باريس المباشر فيه. وأكدت مصادر دبلوماسية فرنسية لـ”المدن” أن باريس ترى في المرحلة الراهنة فرصة لتعزيز حضور الدولة اللبنانية، مشددة على أن الحل المستدام يمر حصراً عبر مؤسساتها، مع ضرورة وقف الانتهاكات الإسرائيلية وتطبيق الإصلاحات والقرارات السيادية.
مساعٍ دولية لدعم الجيش اللبناني
تصدر ملف دعم المؤسسة العسكرية المحادثات اللبنانية-الفرنسية، حيث جدد بارو استعداد بلاده لتنظيم مؤتمر دولي لدعم الجيش اللبناني، انطلاقاً من قناعة فرنسية بأن تقوية قدرات الجيش تعزز الموقف التفاوضي للدولة اللبنانية وتضمن استقرار البلاد.
ورغم عدم تحديد موعد المؤتمر حتى الآن بانتظار نضوج الظروف السياسية والمالية، إلا أن عودة الحرارة للعلاقات مع الرياض قد تسرّع الخطى. وقد تجسد المزاج السعودي الجديد في اتصال وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان برئيس الحكومة نواف سلام، ناقلاً توجيهات ولي العهد الأمير محمد بن سلمان باستئناف استقبال الصادرات اللبنانية، وهو ما يفتح الباب أمام فرنسا لتأمين شبكة الدعم الإقليمية والمالية اللازمة لإنجاح المؤتمر.
أمن الجنوب ومرحلة ما بعد “اليونيفيل”
استحوذ مستقبل قوات “اليونيفيل” على حيز واسع من النقاشات في العاصمة الفرنسية. وأكد الوزير رجّي بوضوح أن لبنان يطالب بقوة دولية لمرحلة ما بعد “اليونيفيل”، مهمتها مساندة الجيش اللبناني وتمكينه من الانتشار فور انسحاب الإسرائيليين، مانعاً بذلك أي فراغ أمني في الجنوب أو انتقال غامض للواقع الميداني.
وأشار رجّي أمام البرلمان الفرنسي إلى الحاجة لبعثة مراقبة تحظى بغطاء دولي. وهو توجه تدعمه باريس التي تعتبر وجود آلية دولية فعالة في الجنوب ركيزة لمنع التصعيد، وتطمح في الوقت نفسه للحفاظ على دورها ضمن هذه القوة، ربما في إطار أوروبي أوسع.
رفض التوسع الإسرائيلي والمطالبة بحصر السلاح
برز البعد السياسي للزيارة بوضوح خلال جلسة الاستماع أمام لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الفرنسي. واعتبر رئيس اللجنة، النائب برونو فوكس، أن لبنان بات “رهينة” أزمة إقليمية متشعبة لم يخترها، في ظل خروقات متبادلة لوقف إطلاق النار من قبل إسرائيل وحزب الله.
وتركزت أسئلة النواب الفرنسيين على التوسع الإسرائيلي الذي يثير قلقاً وإدانة فرنسية واضحة، إلى جانب ملف تعامل الدولة مع سلاح “حزب الله”. وتقوم المقاربة الفرنسية، وفق مصادر مطلعة، على مسارين متلازمين: الرفض القاطع لأي تغيير ميداني أو ديموغرافي تفرضه إسرائيل داخل لبنان، والدعم المطلق للدولة اللبنانية لبسط سلطتها الكاملة وحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية، انطلاقاً من اعتبار الغالبية الفرنسية أن الحزب مجموعة خارجة عن القانون ويجب أن تسلم سلاحها لاستعادة الاستقرار.
