في المعلومات الخلفية وغير الظاهرة للعيان أن “حزب الله”، وعلى رغم التصعيد الكلامي، قد قرّر إعادة قراءة التطورات الإقليمية في ضوء الاحداث الأخيرة، التي عصفت بإيران، من الداخل ومن الخارج. وقد يكون من بين أحد الاستنتاجات لهذه القراءة المتأنية والجدّية التسليم بأن دور السلاح قد انتهى مفعوله، وأن لا بدّ من تسليمه بالكامل خارج شمال الليطاني كما حصل في جنوبه، ولو أن إسرائيل لا تزال تدّعي بأن هذا السلاح لا يزال مخبأ في أكثر من نفق ومستودع في هذه المنطقة الجنوبية.
وعليه، وأيًّا يكن مآل الكباش الأميركي–الإيراني، فإنه من الواضح أن النظام الإيراني لم يعد قادرًا على الاستمرار بالوتيرة ذاتها، من حيث النفوذ أو التمدد في المنطقة، وبالتحديد في العواصم العربية الخمس، التي سبق أن تحدّث عنها أكثر من مسؤول إيراني.
فالنظام الإيراني يواجه لحظة انكشاف تاريخية، عنوانها العجز البنيوي عن ضبط الداخل أو فرض شروطه في الخارج. وهو، عاجلًا أم آجلًا، متجه إلى التسليم بالأمر الواقع، إما عبر تفاوض قسري يخضع لشروط أميركية قاسية، أو عبر مسار استنزاف داخلي وأمني واقتصادي يفضي إلى التلاشي البطيء، الذي لم يعد مجرد سيناريو نظري، بل مسار قائم بذاته.
هذه القراءة، وفق أوساط ديبلوماسية، ليست انطباعية بقدر ما تستند إلى وقائع ميدانية داخل إيران، حيث يشهد الشارع الإيراني حركة احتجاج غير مسبوقة من حيث الاتساع الجغرافي والكثافة البشرية وعدد الضحايا.
فللمرة الأولى، تحرك الشارع الايراني، بكل ما يرمز إليه تاريخيًا وببعده الاقتصادي، حيث شاركت غالبية الفئات الشعبية في الاحتجاجات بعدما كانت التحركات السابقة محصورة إلى حد بعيد بالأقليات. فهذا التحول النوعي يعكس حالة توتر داخلي قصوى، ويؤشر إلى أن النظام بات يلجأ إلى العنف العشوائي كخيار أخير لضبط الشارع، لا كأداة فعالة للاستقرار.
في موازاة ذلك، تعيش السلطة الإيرانية حالة انعدام وزن سياسي واستراتيجي. فهي عاجزة داخليًا عن تلبية الحد الأدنى من مطالب شعبها، وغير قادرة خارجيًا على مواجهة منظومة الضغوط الأميركية، سواء العسكرية أو الأمنية أو المالية. ومع تصاعد العقوبات القاسية، وتنامي الحديث عن أدوار استخبارية غربية في تغذية الاحتجاجات، يتكرّس واقع جديد مفاده أن إيران لم تعد لاعبًا مبادرًا، بل طرف محاصر يفاوض من موقع الدفاع.
انطلاقًا من هذه المعطيات، ترى الأوساط ذاتها أن ما يجري يشكل بداية النهاية للنظام الايراني بصيغته الراهنة. وقد يكون الانعكاس الأبرز لهذا التطور ما يمكن أن يطال “حزب الله”، الذي لم بات مقتنعًا إلى حدود معينة بأن بقاء سلاحه خارج إطار الدولة اللبنانية قد يشكّل له عبئًا وجوديًا، لا ورقة قوة، كما أن التعويضات السياسية التي كان الحزب يحصّلها في مراحل سابقة باتت اليوم شبه معدومة. وتتحمل القيادة الحالية للحزب مسؤولية هذا المأزق.
من هنا، لم يعد أمام “حزب الله”، في رأي كثيرين، سوى خيار واحد لا بديل عنه، وهو الإقدام على خطوة سياسية شجاعة قوامها إعادة السلاح إلى الدولة، والعودة إلى الانتظام العام كحزب سياسي يعمل ضمن الأطر الدستورية والديمقراطية.
وهذا التحول لم يعد مسألة إرادة ذاتية أو قرار داخلي، بل مسار إلزامي تفرضه موازين القوى الجديدة، داخليًا وإقليميًا ودوليًا، ويفتح الباب أمام إعادة بناء السلم الأهلي برعاية الدولة، والانخراط في مسار سلام إقليمي تقوده الدولة اللبنانية، انطلاقًا من إحياء اتفاقية الهدنة كمرحلة تسبق أي مفاوضات مستقبلية.
في هذا السياق، تكتسب عودة اللجنة الخماسية إلى لعب دورها التوفيقي أهمية خاصة. فالحراك الخماسي، وفق التصور الفرنسي–المصري، لا يقوم على فرض حلول صدامية، بل على إدارة تفكيك تدريجي ومنظم لملف السلاح، بما يحفظ الاستقرار ويمنع الانزلاق إلى الفوضى، ويضع حصرية السلاح بيد الدولة كأمر واقع لا رجعة عنه. وهذا ما يخرج الملف من دائرة المساومات الداخلية الضيقة إلى إطار التزام دولي واضح.
وتشدد الأوساط على أن إنهاء ظاهرة السلاح خارج الدولة هو الشرط الأول لأي نهوض اقتصادي واستقرار سياسي، إلى جانب ملفات لا تقل أهمية، كضبط الحدود ومنع التهريب، ومكافحة التهرب الجمركي والضريبي، وضبط المالية العامة، ووضع حد لسرقة الكهرباء والهيمنة على القطاعات الخدماتية.
في المحصلة، يبدو لبنان في سباق حقيقي مع الوقت لتنفيذ مسار حصر السلاح، انطلاقًا من شمال الليطاني وصولًا إلى كامل الأراضي اللبنانية. وفي هذا الإطار، تُسجَّل مواقف رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون الأخيرة كخطوة إيجابية متقدمة، إذ تخطت منطق الحذر والتحفظ وعكست إدراكًا لحجم التحول الجاري.
“الحزب” يعيد قراءة أحداث إيران من زاوية لبنانية .





