هل تلتقط إيران فعلاً “الفرصة” الأخيرة؟

المسألة الجوهرية الآن وحتى إشعار آخر هو إيران على رغم تراجع الخيار العسكري الأميركي نتيجة اعتبارات كثيرة، يتقدمها الخوف من تداعيات سقوط نظام لا بديل له في الأفق ويمكن أن يكون كما كان العراق وليبيا من قبله بمثابة صندوق باندورا يفتح الباب على احتمالات خطيرة في إيران والمنطقة

يوم 14 الجاري، وعلى خلفية الاستعدادات الأميركية لضربة عسكرية لإيران، سارع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى الإطلالة تلفزيونيّاً عبر محطة “فوكس نيوز” الأميركية التي يدأب الرئيس الأميركي دونالد ترامب على متابعتها من دون توقف. اختار عراقجي هذه المحطة للتوجه برسالة مباشرة إلى الرئيس الاميركي غير تلك التي يضطلع بها الوسطاء الإقليميون في شكل خاص لكي يسمع التزاماً إيرانيّاً مباشراً وصريحاً بالاستعداد للتفاوض الديبلوماسي.

كرّر عراقجي في إطلالته التاكيد أنّ “الديبلوماسية أفضل بكثير من الحرب، وأنّ الديبلوماسية هي الطريق الأفضل على الرغم من اننا لا نملك أي تجربة ايجابية مع الولايات المتحدة” كما قال. وتلقّف الرئيس الأميركي الرسالة الإيرانية الموجّهة إليه والتي تُحاكي رغبته في مخاطبته، فأعلن موفده إلى المنطقة ستيف ويتكوف أنّ ترامب طلب التواصل مباشرة مع الجانب الإيراني، وأنّه لا يزال يرى فرصة لنتائج مفاوضات ديبلوماسية مع إيران، وذلك فيما كان سرى قبل أيام طلب ترامب قطع الاتصالات المباشرة معه.

 

تيقّنت إيران من دقة الموقف وخطورته الهائلة وتصاعدت مخاوفها من ضربات قد تُنهي النظام في ظل المؤشرات الداخلية الواقعية التي تصبّ في هذا الاطار والتوقعات الخارجية كذلك. وفيما أنّ الانتظار قوي لمعرفة ما إذا كانت ايران اشترت لها وقتاً إضافيّاً لمواصلة مسارها التقليدي، أم أنّ هناك تنازلات جدية تعهّدت بها للوسطاء أو للجانب الأميركي لكي يمتنع عن استهداف إيران ونظامها وفق ما تشي بعض المعلومات والتعهدات من جانب بعض الوسطاء الإقليميين، فإنّ الاصرار من عراقجي على إن تعود الولايات المتحدة الى الديبلوماسية ورغبة إيران في أن تكون الديبلوماسية وليس الحرب خيارها، يوفر للدولة اللبنانية في رأي البعض، ورقتها القوية المباشرة لدحض ذرائع الحزب وانتقاداته للمقاربة الديبلوماسية التي يرغب لبنان في استكمالها عبر لجنة “الميكانيزم” فيما تتوالى الانتقادات من الثنائي الشيعي وتحديداً من “حزب الله” لهذه المقاربة، كما لو أنّ هناك خياراً آخر على قاعدة ما يقوله أركان في الطائفة الشيعية أنّ اسرائيل لا تفهم إلّا منطق القوة وليس الديبلوماسية.

 

المسألة الجوهرية الآن وحتى إشعار آخر هو إيران، على رغم تراجع الخيار العسكري الأميركي نتيجة اعتبارات كثيرة يتقدّمها الخوف من تداعيات سقوط نظام لا بديل له في الأفق ويمكن أن يكون كما كان العراق وليبيا من قبله بمثابة صندوق باندورا يفتح الباب على احتمالات خطيرة في ايران والمنطقة. ولذلك تدخّلت الدول الخليجية وتركيا لدى الرئيس الاميركي لمنع الحرب في شكل اساسي. والسؤال الاساسي هو هل تستفيد إيران من هذه الفرصة أو تعتبرها انتصاراً لها بحيث يبقيها في مقاربتها الداخلية والخارجية معاً؟

 

تقول مصادر ديبلوماسية إنّ ليس الخارج فحسب ما ادى الى تعديل ترامب موقفه بل ان بعض المحيطين به حذروا من الذهاب الى حرب ضد ايران تفتح المجال امام المجهول . وذلك علما ثمة من يثير تساؤلات اذا كان ترامب يمكن ان يكتفي ب” التنازل ” الذي اعتبره انجازا لجهة وقف ايران اعدام 800 من الشباب الايرانيين المتظاهرين والمحتجين في ايران في وقت بدا تهديده بارسال المساعدة على الطريق التي وعد بها المحتجين اقرب الى ما يكون تهديد الرئيس باراك اوباما الرئيس السوري بشار الاسد في 2013 بخط احمر اذا قصف شعبه بالاسلحة الكيماوية ولم يحرك ساكنا على الاثر ، وذلك فيما سخر ترامب من اوباما مرارا على هذه الخلفية. ولذلك تستمر جميع السيناريوهات على الطاولة وفق ما يتم تأكيده في واشنطن بما يترك المجال امام ترامب تغيير موقفه المتريث او غير الراغب في حرب راهنا مكتفيا بالمزيد من الضغوط على السلطات الايرانية التي وكما في كل مرة تنجو من قطوع الاحتجاجات الشعبية تظهر تشددا اكبر على قاعدة نجاحها في البقاء وتظهير قدرة على الامساك الداخل الايراني بقبضة من حديد. الا انه ما بات تحت المراقبة اكثر في هذه الجولة من المواجهة الايرانية الداخلية والخارجية التي تدخلت بها دول اقليمية لانقاذ النظام الايراني تحت عنوان ” اعطاء فرصة له ” كيف او اذا كان النظام سيستفيد من هذه الفرصة او انه يشتري وقتا للصمود فيما يظهر ثقة بان لا بديل منه بالنسبة الى الخارج باقرار ترامب نفسه الذي لم يراهن على ابن الشاه السابق رضا بهلوي. وهذا السيناريو يرجحه كثر في ظل انتظار الانتخابات النصفية الاميركية في تشرين الثاني المقبل بحيث قد يتم تقييد هامش الرئيس الاميركي اكثر اذا خسر الجمهوريون هذه الانتخابات . فيما ان ايران قد تحاول ان تشتري الوقت ايضا بالعودة الى طاولة المفاوضات وتلبية بعض المطالب لتخفيف الضغوط الاقتصادية التي باتت تنهك قدرات النظام على الاستمرار . فالفرصة التي اشتراها الخارج الاقليمي لايران هي في يد ايران وحدها اذا رغبت في الاستفادة منها بادراك انها لا يمكنها الاستمرار في سلوكها الحالي وانه يتعين عليها التغيير سلميا في الداخل على وقع المؤشرات الخطيرة التي تبرز بين وقت واخر اضافة الى ضرورة الاقرار بالمؤشرات المتمثلة في المتغيرات الخارجية التي نزعت من يد ايران اوراقها القوية في المنطقة . وذلك ما لم تعتبر ان زئبقية الرئيس الاميركي وتحوله الى غرينلاند او سواها يعفيها من التحدي ويوفر لها وقتًا اضافيا للتنفس واعادة تأهيل موقعها كما في السابق .

هل تلتقط إيران فعلاً “الفرصة” الأخيرة؟ .

Share it :

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *