lebanon

بن فرحان في لبنان: زيارة الاستطلاع وقطع الشك باليقين

لم تكن زيارة الموفد السعودي يزيد بن فرحان إلى لبنان مجرّد زيارة خاطفة. فقد أمضى أياماً عدة حافلة بلقاءات مختلفة مع نوّاب وشخصيات سياسيّة، فضلاً عن زيارته الرؤساء الثلاثة، ومشاركته في اجتماع اللجنة الخماسية برئاسة رئيس الجمهورية جوزاف عون.

منذ وصوله، رتبت له سفارة المملكة في لبنان لقاءاته، وحددت له مواعيد مع كثيرين. ومن دون مبالغة، يمكن القول إن بن فرحان اجتمع بنواب وشخصيات سياسية واقتصادية ورؤساء كتل نيابيّة وأحزاب، واستطلع آراءهم في مختلف المواضيع. للزيارة وقعها وظروفها، ربطاً بالتطوّرات المتسارعة سواء في لبنان أو في المنطقة، نتحدّث هنا عن شخصية مُلمة بملف لبنان وتعقيداته، وعلى تواصل يومي مع المسؤولين فيه. مهندس القرارات الحكومية الصعبة، الذي يستفسر عن هذا القرار وذاك، والحاضر طيفه في أروقة المقار الرئاسية. 

أتت الزيارة في أعقاب الاجتماع الثلاثي الذي استضافته باريس، واستُكمل بانضمام مصر وقطر إلى الاجتماع الخماسي في بعبدا، وتزامن ذلك مع الجهود السعوديّة لخفض التصعيد الأميركي حيال إيران، وبالتوازي مع ختم التحقيق في ملف المدعو أبو عمر. حاول كل من تورط في قضية أبو عمر تبرير موقفه، فكان جوابه واحداً للجميع، وهو أن الملف في عهدة القضاء الذي له الكلمة الفصل فيه.

غالبية من التقاهم بن فرحان أكدوا أن الحديث كان عاماً، وأنّ الضيف السعودي لم يركز على موضوع أبو عمر. وقال أحدهم: “اللقاء كان جيداً، وتمّ استعراض شؤون محليّة تتعلق بالإنماء، وأخرى تتعلق بالعلاقة بين البلدين، وقد مر في حديثه على ملفّ أبو عمر مرور الكرام. وفي لقاءات معيّنة لم يعرج عليه بتاتاً، بل ركّز على دعم الجيش اللبناني بعد استكمال مسار حصرية السلاح بيد الدولة”.

شارك بن فرحان في اجتماع الخماسية في بعبدا مع رئيس الجمهورية جوزاف عون، الذي خصّص لبحث السبل الكفيلة بإنجاح مؤتمر دعم الجيش وتمكينه من أداء مهامه جنوب النهر وشماله. وقد تحمّست فرنسا لإعلان موعد انعقاد المؤتمر في الخامس من آذار على أراضيها، وهو موعد مشكوك في نجاحه، لأن المتعارف عليه عدم حماسة المملكة للمساهمة في أيّ مؤتمر لا ترعى انعقاده على أراضيها، فكيف إذا كان شرطها المتعلّق بحصرية السلاح لم ينته بالشكل الذي لا تزال تصر عليه؟

هدف ثانٍ للموفد السعودي تمثل في لملمة ملف المدعو أبو عمر وسحبه من التداول، ما دام في عهدة القضاء. وقد عرج عليه في بعض اجتماعاته، واستمع إلى سرديات مختلفة بخصوصه.

أمّا الهدف الثالث، فهو إصلاح ذات البين بين رئيس الجمهورية ورئيس حزب القوات اللبنانيّة سمير جعجع، بدليل الاتصال الذي أجراه رئيس القوّات مع رئيس الجمهورية، والبيان الذي صدر عن القوات وتضمّن عبارات الثناء والإشادة بمواقف رئيس الجمهورية التي حظيت بإجماع لبناني وثناء سعودي، ما صعب مهمّة الدور المعارض للقوات إزاء رئيس الجمهورية.

الاستنفار لعودة الحريري

هدف رابع لا بدّ من التوقف عنده، وهو ما سُرّب من أخبار عن عودة الرئيس سعد الحريري إلى لبنان لإحياء ذكرى والده في 14 شباط المقبل، والاحتفال الذي بدأ الحديث عنه، وما يعنيه ذلك على الساحة السنية، التي يسعى بن فرحان إلى لملمة تشظياتها بعد قضية أبو عمر، سواء على مستوى دار الفتوى أو رئاسة الحكومة. عودة الحريري لها حسابات إقليمية حذرة من ناحية المملكة.

ومن خارج الأجندة، نُقل عن بن فرحان إشادته بالرئيس نبيه بري، إذ عبّر في مجالسه عما يشبه التغيير في اللهجة السعوديّة إزاء برّي والشيعة، من دون أن يعني ذلك تعديلاً في الموقف حيال حصرية السلاح بيد الدولة. وكان لافتاً عقده لقاءات مع شخصيات شيعيّة من خارج الثنائي، أعاد فيها التأكيد على دور بري وموقعه في المعادلة اللبنانية والشيعية.

ومن الشخصيات البارزة التي التقاها، رئيس التيّار الوطني الحرّ جبران باسيل، ورئيس القوّات اللبنانيّة سمير جعجع. وقد شكّل الانفتاح على باسيل مؤشّراً سياسياً لافتاً، يعكس حرص المملكة على عدم حصر علاقتها بطرف مسيحي واحد دون آخر. وتُثمّن مصادر التيّار القريبة هذا اللقاء، مؤكدة أن باسيل حافظ على قناة التواصل الرسمية مع المملكة، ورأت في توقيت الاجتماع دلالة على متانة العلاقة، وحرص المملكة على التواصل مع أكثر من طرف مسيحي، وعدم حصر علاقتها بأطراف دون أخرى، معتبرة أنّه “لا فيتو في التعاطي مع باسيل في المرحلة المقبلة، وقد استطاع تجاوز مراحل القطيعة السابقة مع الجميع، بما في ذلك الثنائي”.

في غضون أربعة أيام أو خمسة، استنفر بن فرحان الدولة بأركانها ونوّابها. وكان من بين أهدافه تفعيل الخماسية، التي تُقاد في الأساس بشراكة أميركيّة سعودية.

عملية استطلاع واسعة أجراها بن فرحان، طغى عليها تأكيده منطق الدولة والعلاقة المباشرة معها، ليؤكد أنه لا احتكار في صداقات المملكة مع فئة دون أخرى. وفي لقاءاته، حضر قانون الانتخاب وقانون الفجوة المالية. ويُعد بن فرحان مسؤول ملف لبنان ومهندس سياساته المستقبلية، وهو ما يعمل عليه بهدوء في الكواليس، ليشكّل دعماً غير مباشر لرئاسة الحكومة، وينسج مع الرئاسة الأولى خيوط تسويات لم تنضج بعد.

بن فرحان في لبنان: زيارة الاستطلاع وقطع الشك باليقين .

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Exit mobile version