عاد توصيف الأزمة اللبنانية بأنها «أزمة نظامية» ليتكرّر بكثافة في الخطاب المالي والاقتصادي خلال الفترة الأخيرة، وهو التعبير الذي استخدمه مصرف لبنان منذ أكثر من عام، فيما دأبت جمعية المصارف على ترداده منذ سنوات. إلا أنّ المفارقة، بحسب الصحافي الاقتصادي متير يونس، تكمن في أنّ أطرافاً كانت تُصنّف نفسها في خانة الخصوم لصندوق النقد الدولي، باتت اليوم تستند إلى تقارير الصندوق نفسها لتبرير سرديتها السياسية والمالية حول الأزمة اللبنانية.
ويشير يونس إلى أنّ الاستناد إلى توصيف «الأزمة النظامية» يجري توظيفه بطريقة انتقائية، بهدف الإيحاء بأن الدولة وحدها تتحمّل المسؤولية الأساسية عن الانهيار المالي، في حين أنّ تقارير صندوق النقد لا تقول ذلك إطلاقاً، بل تتحدث عن مسؤوليات متشابكة تشمل الدولة، ومصرف لبنان، والمصارف، والسياسات المالية والنقدية المتراكمة منذ عقود.
ويؤكد أنّ الدولة، سواء اعترفت بذلك أم لا، تبقى عملياً الجهة التي يُطلب منها تحمّل الجزء الأكبر من الخسائر في معظم الطروحات المتداولة منذ عام 2019، ولا سيما عبر مصرف لبنان المملوك منها، ما يعني أنّ المقاربات المطروحة تنتهي عملياً إلى تحميل الدولة أعباء تفوق ما يُطلب من المصارف تحمّله، حتى لو جرى تسويق الأمر بعناوين مختلفة.
وفي مقابل استخدام بعض الجهات لعبارات عامة من تقارير صندوق النقد، يطرح يونس سلسلة أسئلة مباشرة حول موقف هذه الجهات من مطالب الصندوق الفعلية، ولا سيما احترام تراتبية تحمّل الخسائر وفق المعايير الدولية، والتي تبدأ عملياً بشطب رساميل المصارف القائمة وإعادة رسملة القطاع المصرفي من جديد.
كما يسأل عن موقفها من رفض صندوق النقد للطروحات التي تقوم على شطب مليارات الدولارات من الودائع تحت تسميات مثل «الودائع غير الشرعية» أو «غير المؤهلة» أو تلك الناتجة عن فوائد مرتفعة.
ويعتبر يونس أنّ المشكلة الأساسية تكمن في «ذرّ الرماد في العيون» وعدم قول الحقيقة كاملة للرأي العام، مشدداً على أنّ صندوق النقد، حتى وهو يصنّف الأزمة بأنها «نظامية»، يطالب بوضوح بالمحاسبة والمساءلة، ويدعو إلى إصلاحات جذرية في حوكمة مصرف لبنان والقطاع المصرفي وآليات الرقابة والتنظيم.
ويضيف أنّ الصندوق يشدّد أيضاً على ضرورة إعادة النظر جذرياً في عمل لجنة الرقابة على المصارف وهيئة التحقيق الخاصة، وصولاً إلى المطالبة بتعديل قانون النقد والتسليف نفسه، متسائلاً عمّا إذا كانت القوى التي تستشهد بتقارير الصندوق مستعدة فعلاً لتطبيق كل ما يطلبه، أم أنّها تكتفي باقتباس العبارات التي تخدم روايتها وتتجاهل ما يتصل بالإصلاح والمحاسبة وإعادة هيكلة المسؤوليات.
ويختم يونس بدعوة صريحة إلى «عدم خداع الناس»، مطالباً بكشف الحقيقة كاملة للبنانيين والمودعين، وعدم الاختباء خلف العبارات الفضفاضة والتوصيفات العامة، معتبراً أنّ استمرار هذا النهج لا يؤدي إلا إلى إضاعة المزيد من الوقت، تماماً كما حصل منذ عام 2019، «حتى لو تبدّلت أسماء الغشاشين ووجوههم».