أفادت صحيفة “الغارديان” البريطانية بأن الطائرات المسيّرة تحولت إلى سلاح فعّال بيد “حزب الله”، مكنه من إلحاق خسائر بجيش إسرائيلي يتفوق عليه تسليحاً وتمويلاً، ورفع تكلفة استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان.
ويعكس الاعتماد المتصاعد على المسيّرات، منذ وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل في 17 نيسان، تغييراً استراتيجياً في هيكلية الحزب وتكتيكاته الميدانية. ونقلت الصحيفة عن مصدر مقرب من “حزب الله” توضيحه أن انقطاع خط الإمداد البري من إيران عبر سوريا—إثر سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024—أجبر الحزب على الاعتماد على التصنيع المحلي لأسلحته وذخائره بميزانية منخفضة جداً لتجاوز تحديات الإمداد.
تصنيع محلي وتكلفة منخفضة
لجأ “حزب الله” بشكل متزايد إلى إنتاج مسيّرات محلية الصنع. ويكشف المصدر أن تكلفة تصنيع الطائرة الواحدة تتراوح بين 300 و400 دولار فقط، حيث تُنتج باستخدام تقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد، وتُجهّز بـ”مكونات إلكترونية تجارية قابلة للتعديل للاستخدام المدني والعسكري”.
ويشير هذا التوجه، ولا سيما استخدام مسيّرات الرؤية من منظور الشخص الأول (FPV)، إلى عودة الحزب لجذوره القتالية، في مسعى لرفع كلفة الاحتلال بعد تمكن الجيش الإسرائيلي من دخول معاقله الجنوبية في الحرب الأخيرة.
تحدي المنطقة العازلة وعجز “القبة الحديدية”
دفع المدى الطويل لهذه المسيّرات، الذي يقدر بعشرات الكيلومترات، إسرائيل إلى إعادة تقييم عمق منطقتها العازلة في جنوب لبنان؛ إذ كانت التقييمات الإسرائيلية السابقة تحدد عمقها بـ 11 كيلومتراً، استناداً إلى مدى الصواريخ الموجهة المضادة للدروع التي استخدمها الحزب لتهديد الجنود والمدن في شمال إسرائيل.
في المقابل، أثبتت منظومة “القبة الحديدية” التي تكلف مليارات الدولارات عدم فعاليتها حتى الآن في التصدي للمسيّرات الصغيرة، ما أجبر الجنود الإسرائيليين على محاولة إسقاطها بأسلحتهم الفردية، وفقاً لمقاطع فيديو حديثة. وأكد مصدر عسكري إسرائيلي أن الاستخبارات العسكرية تجري أبحاثاً لتطوير “نماذج إنذار أكثر فعالية” وأنظمة تسليح متقدمة لمواجهة هذا التهديد الجديد.
تكتيكات مستوحاة من حرب أوكرانيا وألياف ضوئية
أوضح روب لي، الباحث البارز في برنامج أوراسيا التابع لمعهد أبحاث السياسة الخارجية، أن أنظمة الرؤية عبر كابلات الألياف الضوئية “لا يمكن التشويش عليها باستخدام الحرب الإلكترونية، كما يصعب اكتشافها”. وأشار إلى أن الجيش الإسرائيلي ليس وحيداً في هذا التحدي، إذ باتت مواجهة المسيّرات أولوية قصوى لدول العالم، مستشهدة بالتجربة الأوكرانية.
وأظهرت تسجيلات “حزب الله” تطوراً ملحوظاً في مهاراته؛ فبعدما كانت مسيّراته تُسقط أو تخطئ أهدافها في الفترات السابقة، بيّنت مشاهد حديثة من بلدة القنطرة في جنوب لبنان توجيه مسيّرة (FPV) ببطء نحو دبابة، بينما تقوم مسيّرة أخرى بتوثيق الإصابة من بعيد، وهو تكتيك مستنسخ من أوكرانيا.
وكانت مسيّرات الألياف الضوئية قد برزت في أوكرانيا أواخر عام 2024 كحل لتجاوز التشويش اللاسلكي، وأثبتت فعاليتها المدمرة، لا سيما من قبل روسيا. وأقرّ المصدر المقرب من الحزب بأنهم راقبوا بدقة كيفية توظيف هذه التقنية بفعالية في الساحة الأوكرانية، لتصبح اليوم سلاحاً معتمداً في مختلف الصراعات، بما فيها الحرب الأميركية الإسرائيلية الأخيرة ضد إيران.
حرب استنزاف ودعاية قوية
باتت لقطات مسيّرات (FPV) أداة حرب نفسية ودعائية فعّالة، مع انتشار مقاطع تظهر لحظات ذعر لجنود يفرون في لبنان، بأسلوب مشابه لما شهدته أوكرانيا.
وفي هذا السياق، أكد العميد اللبناني المتقاعد والمنسق الحكومي السابق لقوات اليونيفيل، منير شحادة، أن هدف حرب العصابات ليس النصر السريع بل “استنزاف العدو تدريجياً”. وختم قائلاً: “إذا تم استخدامها بذكاء، فإن طائرات FPV من دون طيار قادرة على تغيير ميزان القوى في ساحة المعركة، وخاصة في بيئات الصراع غير المتكافئة”.
