مع النائب نعمة افرام، يمكن القول إن الاستنفار في الملفات الاقتصادية والحياتية بات يوازي، بل يواكب، الاستعداد لمواجهة الأحداث العسكرية والأمنية وكل ما ينتج عنها. في بلد كلبنان، حيث تتقاطع الجغرافيا مع الأزمات، لم يعد ممكناً الفصل بين الاقتصاد والأمن، ولا بين سلاسل الإمداد وخطوط النار. هنا تحديداً، يقدّم افرام نموذجاً مختلفاً: مقاربة وقائية لا تنتظر الانفجار، بل تعمل على منعه أو على الأقل تخفيف ارتداداته.
رئيس تجمع “وطن الإنسان” لا يتعامل مع الاحتمالات بوصفها ترفاً نظرياً، بل كوقائع قيد التشكّل. لذلك، فإن جوهر ما طرحه يتجاوز فكرة إدارة الأزمة إلى بناء قدرة استباقية تقطع الطريق على تداعيات الحرب، سواء أتت من إقفال ممرات حيوية أو من اختلال الأسواق العالمية. ليست المشكلة في أن الأزمات تقع، بل في أن الدولة اللبنانية اعتادت أن تصل دائماً متأخرة.
أهمية مؤتمر الصمود الاقتصادي الذي رعاه افرام، في فندق مونرو وضم مجموعة كبيرة من المسؤولين والخبراء، لا تختصر بمشاركة وزراء ونواب وخبراء، بل في كونه نقل النقاش إلى مستوى آخر: تسليط الضوء على أزمة لم تقع بعد، والعمل على إعداد توصيات لمواجهتها قبل أن تتحول إلى واقع. بهذا المعنى، بدا المؤتمر وكأن رعاته يمارسون دور حكومة فعلية، لا حكومة ظل، في وقت تبدو فيه الدولة الرسمية عاجزة عن إنتاج سياسات وقائية بهذا المستوى من التكامل.
في صلب هذا الطرح، يبرز ملف الميزان التجاري وسلاسل الإمداد، لا سيما في قطاعات النفط والغذاء والدواء. هذه ليست تفاصيل تقنية، بل عصب الصمود الوطني. أي خلل فيها يعني انتقال الأزمة مباشرة إلى حياة اللبنانيين اليومية. ومن هنا جاءت التوصيات لتؤكد ضرورة تأمين سلاسل إمداد مستقرة عبر إنشاء مخزون استراتيجي وتنويع مصادر الاستيراد وتبسيط الإجراءات، بالتوازي مع تعزيز الجهوزية اللوجستية من خلال تفعيل مرفأ طرابلس ومطار القليعات كمنصات بديلة.
ولأن الصمود لا يُبنى فقط على الاستيراد، شددت التوصيات على دعم الإنتاج المحلي الزراعي والصناعي، وتطوير أنظمة رقمية لإدارة الأسواق والحد من الاحتكار. أما في الجانب المالي، فقد دعت إلى إعادة هيكلة النظام الضريبي ليصبح أكثر عدالة وتحفيزاً للنمو، بما يخفف العبء عن القطاعات الإنتاجية ويعيد التوازن إلى المالية العامة.
وفي ملف الطاقة، الذي يشكل الخاصرة الأكثر هشاشة، ركزت التوصيات على ترشيد الاستهلاك وتسريع الانتقال إلى مزيج طاقوي مستدام، إلى جانب الاستثمار في البنية التحتية وقياس الكفاءة بمؤشرات واضحة. كما لم تغب الحاجة إلى إصلاح الإدارة العامة، عبر الرقمنة وتوحيد الإجراءات ورفع الإنتاجية، إضافة إلى إعادة النظر في المؤسسات والصناديق العامة وتعزيز الشفافية.
ويبقى بيت القصيد في إعادة تفعيل القطاع المصرفي، باعتباره الشرط الأساس لاستعادة الثقة وتأمين التمويل. من دون ذلك، تبقى كل الخطط عرضة للاهتزاز.
بهذا المعنى، ما قدّمه افرام ليس ورقة عمل عابرة، بل محاولة لإعادة تعريف دور الدولة: من كيان يلاحق الأزمات إلى كيان يستبقها. وفي زمن الحروب المفتوحة، قد يكون هذا النوع من التفكير هو خط الدفاع الأول.