لكتلة تاريخية تقدم البديل لإنقاذ لبنان!

كتب حنا صالح

تتدحرج النكبة وتتسع.
جنوبنا رماد ودخان وموت وسع المدى: موت البشر مع مجازر متنقلة يرتكبها العدو الإسرائيلي بدم بارد، وموت لكل أشكال الحياة طال الشجر والطير والأرض. والعدو لا يشبع من سفك دماء اللبنانيين ومحو عمرانهم، فيعلن كل يوم عن توسيع عملياته الإجرامية إرتباطاً بتضخيمه المفتعل لمسيرات “الفيلق اللبناني” في “فيلق القدس” الإيراني، وحاجته لإحتلال المزيد من الأرض لإبعاد خطرها عن شمال إسرائيل!

دبابات قوات الإحتلال في زوطر الشرقية، شمال النهر، على مسافة 6 كلم من مدينة النبطية التي دمر العدو سوقها التاريخي والكثير من معالمها ويحدق بها خطر غير مسبوق لأن تلقى مصير بنت جبيل.. في سياق القضم الإسرائيلي المبرمج للأرض يتم دفع الجنوبيين المتروكين لمصيرهم إلى شمال الزهراني، فشمال الأولي.. وخلفهم عشرات القرى التي مُحيت عن الخارطة، في سياق إستكمال مخطط تفكيك الإجتماع الشيعي، وإبعاده عن الجنوب وكذلك البقاع الغربي، فيتم تفكيك وتشتيت البيئة الحاضنة لحزب السلاح الإيراني، الذي قال شيخه في آخر إطلالة له أن ما يجري في الجنوب بداية إزالة إسرائيل من الوجود!

وسط كل ذلك، لا يرى مجلس الوزراء ضرورة لإنضمام لبنان إلى الجنائية الدولية ليكون بوسعه ملاحقة القتلة الصهاينة، فيفشل نائب رئيس الحكومة طارق متري في إقناع الوزراء بصوابية هذه الخطوة وضرورتها. ومن خارج مجلس الوزراء، يُشتم الوزير متري (اليساري والفلسطيني والغوغائي)، لأن هذا الطرح يخدش حياء المتوهمين الزاحفين الذين هم على قناعة أن مجرم الحرب نتنياهو بيشتغل “عند بيت أبوهم”، ولا يرون في ذلك إمكانية ما للتخفيف من حجم الثمن الذي سيدفعه لبنان مقابل الهزيمة المروعة التي نزلت بالبلد..

ووسط كل ذلك يحظى إجتماع 29 الجاري في البنتاغون بالإهتمام لكن تركيبة الوفد( 6 و6 مكرر، يعني مجلس ملّي) تثير الريبة وربما غياب الجدية. ومن الآخر جرائم “الإسناد” التي قررتها طهران ونفذها حزبها لم تترك مجالاً للبنان إلاّ هذا المنحى التفاوضي. المفاوضات، التي ذهبت إليها إسرائيل مكرهة، لن تتوقف وكذلك الحرب الإسرائيلية، وإذا حدن عنده بديل عن المفاوضات يخبرنا.. لكن الكارثة أن الإبادة الصهيونية لبشرنا وعمراننا يدرجها العدو تحت عنوان الدفاع! يا لسخرية القدر، فالشيخ نعيم يعطي الحجة لأنه صار في موقع إزالة إسرائيل(..) دخيلك يا شيخ خلصنا من هذا الورم؟ ولأن الشيء بالشيء يذكر فسلفه كان قد سحر الأتباع ووعدهم ببيوت في الجليل!

وسط الإجرام والجنون وإنعدام المسؤولية ومضي العداد بالإرتفاع قتلى وجرحى، ليصبح الناس القتلى مجرد أرقام، لا أسماء ولا دور ولا تاريخ ولا ولا.. وودائع في مقابر موقتة بإنتظار العودة إلى مسقط الرأس الذي مُحي عن الخريطة. وسط هذا الوضع ينبغي دون إبطاء فتح ملف الحساب لملاحقة الإجرام الإيراني ووكيله المحلي. فمنذ التحرير في العام 2000 رفض نظام الملالي المتحالف مع حارس الإحتلال الإسرائيلي في الجولان، أن يلتقط المواطن اللبناني نفسه. فكل حروب ما بعد التحرير الكامل، بدأها حزب السلاح الإيراني خدمة للمصالح الإيرانية: 2006 و2023 و2026 وبينهم الحرب الإجرامية على الشعب السوري وشعوب المنطقة من اليمن إلى البحرين وغيرها.. وما حدن يخبرنا أن العدو مجرم وقاتل وله أطماع بأرضنا ومياهنا، فالجريمة الأكبر تقديم البلد لقمة سائغة لهذا العدو لتسهيل مخططه. هنا بالضبط الخطيئة الأصلية التي إرتكبها حزب السلاح الإيراني، بحق لبنان واللبنانيين والجنوب والشيعة خصوصاً.

لم يعد جائزاً ترك البلد وأهله بمثابة وقود لهذا الإجرام. لقد تم طحن ناس الجنوب اليوم وهم يراقبون كيف تُباد أرضهم وعمرانهم وحياتهم. وتضاعف وجع اللبنانيين الذي سيدفعون من دمهم ثمن خسارات مروعة، سيمر الكثير من الوقت لمعرفة كل حجمها. ولم يعد جائزاً البحث عن أعذار تخفيفية لمنظومة الفساد ودورها الإجرامي بتغطيتها للسلاح اللاشرعي وتساكنها معه لعقود وعقود مقابل تحاصص البلد ما أفضى لإرسال أهله إلى الجحيم.

هناك أثمان كبيرة سيدفعها مكرها كل مواطن، لا نجاة لأحدٍ منها. ولا يمكن الوصول لشيء من الأمان والإستقرار قبل نزع السلاح اللاشرعي وتفكيك البنية العسكرية والأمنية لهذا التنظيم، ذراع الدفاع عن المصالح الإيرانية.. كما بعض الهياكل الكشفية الميليشياوية. إن حاجة البلد ماسة البلد للإنقاذ والعدالة ووضع نقطة ع السطر لزمن الإفلات من العقاب. وهذا أمر لن يقوم به شعب آخر: مستحيل إستيراد شعب لتحرير بلدنا، وإنقاذه مما هو فيه. اليوم قبل الغد لا بديل عن مبادرة للنهوض لإستعادة الدولة وبسط السيادة وضمان العدالة وإعادة الحقوق لأصحابها.

لقد آن أوان بلورة البديل عن منظومة الفساد والتبعية والنهب. اللبنانيون اليوم أمام “كتلة تاريخية” متسلطة جمعت قوى مغرقة في طائفيتها، قوى ناهبة مافياوية ميليشياوية وبنكرجية ورموز الإحتكار الذين أبعدوا الكفاءات ويتصرفون بالبلد وكأنه إرثٍ لهم، فهل ينبغي الإستسلام لهذا التوحش؟ إن مسؤوليتهم عن هذه النكبة واضحة وينبغي للقضاء يوماً ما أن يحدد حجم مسؤولية كل طرف عن تهميش لبنان وإضعافه وإفقاره وإذلال أهله وإستدراج الإحتلال مجدداً. والمطلوب بالمقابل خطوات ملموسة لتقديم خياراً آخر للبنانيين، لبناء “كتلة تاريخية” موازية، ليعاد الإعتبار لموازين القوى في البلد، ولفتح المجال للنخب من شباب وشابات لأن يقولوا كلمتهم في كل الإستحقاقات الآتية.. والوقت كالسيف لا ينتظر الإنتهاء من ترف بعض النقاشات العقيمة. إن الممر الإجباري لقيام “الكتلة التاريخية” الجديدة هو السعي لدولة تحتكر العنف لا سلاح فئوياً خارجها.. دولة تضع في المقدمة أولوية المحاسبة والمساءلة عن الفساد والنهب. كتلة تاريخية أمام ثلاثية ذهبية:

1—السيادة والتحرير والعودة.2—العدالة الإجتماعية. 3—المحاسبة وحقوق الناس.

وكلن يعني كلن، حزب السلاح الإيراني ومنظومة الفساد التي تساكنت مع الإحتلالات والسلاح اللاشرعي، ولا تستثني حدن منن.

شارك الخبر على:
Facebook
WhatsApp
X
Telegram