أشارت مجلة “Foreign Policy” الأميركية إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب ألمح مؤخراً، خلال مناقشة مستقبل “حزب الله”، إلى إمكانية أن تلعب سوريا دوراً في تسهيل ضربات “أكثر دقة” ضد الحزب في لبنان. ورغم أن ترامب لم يوضح طبيعة هذه المهمة السورية المحتملة، يبدو أنه يأمل في كسب دعم دمشق لدحر أحد أبرز وكلاء إيران في المنطقة.
تحفظات سورية سابقة وطموحات مستجدة
وفقاً للمجلة، ناقشت الولايات المتحدة في آذار الماضي احتمالية توغل سوري في شرق لبنان، غير أن دمشق عارضت الاقتراح آنذاك؛ حيث بدت حكومة الرئيس أحمد الشرع حذرة من الانجرار إلى مواجهة إقليمية جديدة، وتخوفت من أن يؤدي أي صدام مباشر مع “حزب الله” إلى إشعال توترات سياسية وطائفية داخل سوريا.
ومع ذلك، يرى معلقون سوريون في تصريحات ترامب مؤشراً على رغبة واشنطن في منح دمشق دوراً أكبر بلبنان. وتمتلك القيادة السورية الجديدة دوافع واضحة لكبح الحزب، الذي دعم نظام الأسد السابق، واستغل الأراضي السورية لتهريب الأسلحة وحماية مسؤولين من العهد السابق في لبنان. كما يعرب مسؤولون سوريون عن استيائهم من عدم اتخاذ لبنان خطوات كافية لوقف أنشطة الحزب، فضلاً عن أن اتخاذ موقف صارم ضده قد يساعد حكومة الشرع في حشد الدعم لتخفيف العقوبات الأميركية وإثبات قطع صلتها بشبكة إيران الإقليمية.
خطورة التدخل العسكري العابر للحدود
حذرت “Foreign Policy” من أن التدخل العسكري السوري في لبنان، رغم المغريات، قد يمنح “حزب الله” طوق نجاة في لحظة ضعفه؛ فعبور القوات السورية للحدود سيمكّن الحزب من إعادة تقديم ترسانته العسكرية كدرع واقٍ ضد التدخل الأجنبي بدلاً من كونها تحدياً للدولة اللبنانية.
إلى جانب ذلك، سيعيد هذا التدخل فتح الذاكرة المؤلمة للحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990) وحقبة الوصاية السورية التي استمرت قرابة ثلاثة عقود (1976-2005)، مما يثير قلق المكونات اللبنانية المناهضة للحزب، ويضع الجيش السوري في بيئة متفجرة قد تضعفه في وقت يحتاج فيه لتركيز جهوده على الداخل السوري.
البديل الفعال: ضبط الحدود السورية
ترى المجلة أن دمشق يمكن أن تكون شريكاً مفيداً لمواجهة “حزب الله” ولكن حصراً داخل حدودها، عبر إغلاق طرق التهريب ومصادرة الأسلحة. وقد اعترضت القوات السورية بالفعل مئات الصواريخ المتجهة للحزب، وأحبطت مخططاً مفترضاً لاستهداف مرتفعات الجولان من أراضيها.
أما دخول القوات السورية إلى لبنان، فسيحول النقاش من ترسانة الحزب إلى سردية “المقاومة” ومعاناة الاحتلال السوري السابق، الذي شهد تصفية واعتقال معارضي النفوذ السوري واغتيال شخصيات بارزة مثل رئيس الوزراء رفيق الحريري.
توظيف سياسي واستغلال طائفي
من جانبه، يسعى “حزب الله” لتوظيف هذا الاحتمال؛ إذ وصف أمينه العام نعيم قاسم السلطة الجديدة في دمشق بأنها “جماعات تكفيرية” تخدم مصالح أميركا وإسرائيل. وتعمل الماكينة الإعلامية للحزب على تصوير التوغل السوري كجزء من حصار مشترك (إسرائيل من الجنوب وقوات الشرع من البقاع) لاستهداف الشيعة في لبنان، مستغلةً الخلفية العسكرية السابقة للرئيس الشرع (أبو محمد الجولاني) لإثارة المخاوف الطائفية وبث الرعب.
موقف المكونات اللبنانية من الطروح السورية
تؤكد المجلة أن القوى المسيحية والدرزية المعارضة لسلاح الحزب لن ترحب بالتدخل السوري؛ فالمسيحيون يستحضرون سنوات القمع والاغتيالات، والدروز يتأثرون بالانتهاكات الأخيرة في السويداء. أما الشارع السني، فرغم رؤية الشرع كرمز لهزيمة الأسد، إلا أن أوساطاً واسعة تخشى أن يؤدي التدخل إلى مواجهة طائفية لا يمكن احتواؤها.
توصيات استراتيجية لواشنطن
ختمت المجلة بالإشارة إلى ضرورة تركيز واشنطن على منع الحزب من إعادة التسلح عبر دعم جهود سوريا الحدودية بطريقتين: تعزيز آلية الأمن السورية الإسرائيلية الناشئة لتبادل المعلومات الاستخباراتية حول مسارات التهريب، والتعاون مع شركاء إقليميين كالأردن لتطوير قدرات دمشق التقنية في مراقبة الحدود، محذرة من أن نقل المعركة إلى الداخل اللبناني سيضر بالمصالح الأميركية والشعبين اللبناني والسوري.
