بعد مرور 20 عاماً بالتمام على عملية أسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، كشف أرشيف الجيش الإسرائيلي في وزارة الدفاع عن سجلات العمليات التابعة للواء الجنوبي، والتي توثق تفاصيل ذلك الصباح الحاسم دقيقة بدقيقة. وتكشف الوثائق حالة التخبط التي استمرت لساعة و27 دقيقة قبل إدراك فقدان أحد الجنود، وإعلان إجراء “هنيبعل”، وصولاً إلى شائعات نقله إلى مصر، لتبدأ رحلة أسر استمرت 1,941 يوماً.
صباح الهجوم: تسلل واشتباك من المسافة صفر
في صباح 25 حزيران/يونيو 2006، تسللت خلية تابعة لحركة حماس من قطاع غزة عبر نفق هجومي، مباغتةً قوة مدرعات إسرائيلية كانت في حالة تأهب قرب معبر كرم أبو سالم. أسفر الاشتباك عن مقتل الملازم حنان باراك والرقيب أول بافيل سلوتسكر، وفي خضم الفوضى العارمة، نجح المهاجمون في أسر شاليط من داخل دبابته واقتياده إلى غزة.
التسلسل الزمني: التخبط وإعلان “هنيبعل”
ترسم سجلات غرفة عمليات اللواء الجنوبي في فرقة غزة مسار الأحداث بدقة:
- 05:13: “سُمعت طلقات نارية باتجاه الموقع، وتُسمع انفجارات كثيرة في منطقة كرم أبو سالم. الحديث يدور عن سقوط قذائف”.
- 05:16: إقلاع مروحيات هجومية.
- 05:19: الإبلاغ عن وجود إصابات، ليتبين لاحقاً أنها ناتجة عن إطلاق صاروخ مضاد للدروع تزامناً مع اشتباك بالأسلحة الخفيفة.
- 05:28 – 05:34: رصد تحركات للمسلحين، وتسجيل مقتل أحدهم وإصابة آخر. استدعاء الدبابات، والإعلان عن قتيل مؤكد في ناقلة الجند “بانثر”.
- 06:37: إحصاء الخسائر: 3 قتلى من المسلحين، جنديان قتيلان أُخرجا من الدبابة، ومصابان داخلها، ومصاب آخر يجري إخلاؤه من الموقع.
بعد مرور ساعة و27 دقيقة على بدء الهجوم، أدركت القيادة حجم الحدث:
- 06:40: “هناك جندي مفقود من الدبابة” (أول إبلاغ رسمي).
- 06:48: تفعيل الإجراء العسكري الصارم لأول مرة: “جندي من الدبابة لا يُعرف مكانه! – هنيبعل”.
مسار الانسحاب وشائعات النقل إلى سيناء
استمرت جهود البحث وتتبع مسار الخاطفين في الساعات التالية:
- 07:46: “لم يتم العثور على آثار سحب للجندي، لكن عُثر عند النقطة 225 على السياج على سترة واقية وخوذة”.
- 08:00: تحديد هوية الأسير: “اسم الجندي: جلعاد شاليط”.
- 08:45: “المصريون ينتشرون على طول الحدود مع القطاع لمنع نقل المفقود إلى سيناء”.
- 09:52: العثور على آثار أقدام للمسلحين والجندي المخطوف تقود إلى منطقة 223، ورصد متفجرات عند مدخل النفق.
- 16:20 (تقييم الوضع): ترجيح بأن الجندي لا يزال حياً، مع تحذيرات من احتمال نقله لشمال القطاع وتوقع بتصعيد واسع.
- 17:38: تسجيل شائعة تفيد بنقل شاليط عبر نفق إلى مصر لاستخدامه كورقة تفاوض.
- 17:51: قائد اللواء يؤكد العثور على فتحة النفق داخل أحد المنازل.
التصعيد العسكري وحرب لبنان الثانية
ردت إسرائيل بعد ثلاثة أيام بإطلاق عملية “أمطار الصيف”، وهي أول توغل بري في غزة منذ انسحاب 2005، وترافقت مع غارات جوية واعتقال عشرات المسؤولين من حماس في الضفة الغربية، بينهم 8 وزراء ونحو 20 نائباً.
وبعد أقل من ثلاثة أسابيع، تفجر الوضع شمالاً مع اندلاع “حرب لبنان الثانية”، إثر أسر حزب الله للجنديين إلداد ريغف وإيهود غولدفاسر، ليصبح في قبضة الفصائل ثلاثة جنود إسرائيليين.
صفقة التبادل وخروج السنوار
طوال سنوات، امتنعت حماس عن تقديم معلومات مجانية عن شاليط أو السماح للصليب الأحمر بزيارته، في حين قادت عائلته حملة ضغط واسعة داخل إسرائيل.
وبعد مفاوضات غير مباشرة طويلة ومتعثرة، أُسدل الستار على القضية في تشرين الأول/أكتوبر 2011 بإبرام صفقة تبادل أنهت 1,941 يوماً من الأسر. وبموجبها، استعادت إسرائيل شاليط مقابل الإفراج عن 1,027 أسيراً فلسطينياً، كان من أبرزهم يحيى السنوار، الذي أصبح قائد حماس في غزة، وتعتبره إسرائيل اليوم المهندس الأول لهجوم السابع من أكتوبر.
