خاص_انتصار أم جنازة؟

في الحروب، لا تكفي الشعارات ولا الصور ولا حتى الخرائط الملوّنة لتحديد معنى “النصر”. هناك معيار أكثر قسوة ووضوحًا: الأرقام. أرقام القتلى تحديدًا، حيث تختصر الوقائع المجرّدة ما تعجز عنه الخطب.
في حرب 1967، التي تُقدَّم عربيًا بوصفها نكبة وهزيمة ساحقة، بلغت خسائر الجيش الإسرائيلي نحو 800 قتيل، مقابل ما يقارب 18 ألف قتيل في صفوف الجيوش العربية، ولا سيما مصر وسوريا والأردن.
إذا حوّلنا هذا الفارق إلى نسبة، نجد أن خسائر إسرائيل تعادل نحو 4.4% من خسائر خصومها، أي تقريبًا جندي إسرائيلي واحد مقابل كل 22 إلى 23 قتيلًا عربيًا.
هذه الأرقام لا تحتاج إلى تفسير طويل: كانت فجوة هائلة في الكلفة البشرية، تعكس اختلالًا عميقًا في موازين الحرب، وتفسّر لماذا ترسّخت 1967 في الوعي العربي كهزيمة مدوّية.
لكن المفارقة تظهر عندما نقارن ذلك بما يجري اليوم.
في حرب 2026 بين حزب الله وإسرائيل، ووفق الأرقام المطروحة، خسرت إسرائيل نحو 15 جنديًا، فيما قُدّرت خسائر حزب الله بنحو 1800 مقاتل.
النسبة هنا تنخفض بشكل لافت إلى حوالي 0.83%، أي ما يعادل جنديًا إسرائيليًا واحدًا مقابل كل 120 قتيلًا من حزب الله.
المقارنة صادمة:
في 1967، التي وُصفت بأنها انهيار عربي شامل، كانت نسبة الخسائر الإسرائيلية إلى العربية نحو 1 إلى 22.
أما اليوم، فهي تقارب 1 إلى 120.
بمعنى آخر، الفجوة في الكلفة البشرية لم تتقلص، بل اتسعت بشكل غير مسبوق.
هنا يفرض السؤال نفسه: كيف يُعرَّف “الانتصار”؟
هل هو مجرد الصمود؟ أم القدرة على إيقاع الخسائر؟ أم تحقيق الأهداف السياسية؟
أم أن المعيار الأكثر بدائية، والأكثر صدقًا في آن، يبقى عدد من سقطوا؟
حين تكون النتيجة أن طرفًا يخسر واحدًا مقابل كل مئة وعشرين، يصبح من المشروع إعادة التفكير في اللغة المستخدمة:
هل نحن أمام انتصار، أم أمام جنازة مؤجّلة تُروى كحكاية صمود؟
التاريخ لا يرحم الأوهام، والأرقام لا تجامل أحدًا.

شارك الخبر على:
Facebook
WhatsApp
X
Telegram