الرئيسية

خاص_النبطية في قلب الحرب غير المعلنة: عقدة الجنوب بين حسابات إسرائيل وبنية حزب الله العسكرية

خاص_النبطية في قلب الحرب غير المعلنة: عقدة الجنوب بين حسابات إسرائيل وبنية حزب الله العسكرية

لا تبدو النبطية في الحسابات العسكرية مجرد مدينة جنوبية هادئة، بل عقدة عملياتية تتقاطع عندها الجغرافيا مع السياسة والأمن والديموغرافيا. في منطق الحرب الحديثة، لا تُقاس المدن بما تنتجه اقتصادياً فقط، بل بما تمنحه من عمق، وممرات حركة، وقدرة على الاستيعاب والتمويه. وهنا تحديداً تتحول النبطية إلى نقطة ثقل في أي سيناريو مواجهة بين إسرائيل وحزب الله.
النبطية: مركز ثقل لا خط تماس فقط
تقع النبطية على مسافة تُقدّر بنحو 15 إلى 25 كيلومتراً من بعض نقاط الحدود الجنوبية، ما يجعلها ضمن ما يُسمّى عسكرياً “العمق القريب”. هذا العمق ليس تفصيلاً، بل هو المساحة التي تُدار فيها الحرب قبل أن تتحول إلى اشتباك مباشر.
تقديرات مراكز بحث عسكرية غربية تشير إلى أن الجنوب اللبناني عموماً يضم ما بين 20 إلى 30 ألف عنصر من حزب الله بين مقاتلين دائمين واحتياط محلي. داخل هذا السياق، تُعد النبطية وريفها جزءاً من “الكتلة التنظيمية الثانية” التي لا تعمل كخط مواجهة مباشر، بل كبيئة دعم وإسناد وإعادة توزيع.
لماذا تُعتبر النبطية هدفاً في التفكير الإسرائيلي؟
في العقيدة العسكرية الإسرائيلية، كما تعكسها النقاشات داخل المؤسسة الأمنية، لا تُدار الحرب مع حزب الله عبر الحدود فقط، بل عبر تفكيك ما يُسمّى “حلقة العمق القريب”. أي فصل الجنوب عن مراكزه الإدارية والاجتماعية واللوجستية.
النبطية هنا ليست هدفاً بحد ذاتها، بل عقدة ربط بين ثلاث دوائر:
القرى الحدودية الأمامية.
العمق الجنوبي الإداري.
البقاع كمخزن بشري ولوجستي.
من هذا المنظور، يصبح “تطويق النبطية” ليس عملية جغرافية، بل محاولة لكسر الترابط بين هذه الدوائر.
هل فتحت إسرائيل معركة النبطية؟
عملياً، لا يمكن الحديث عن معركة برية مفتوحة داخل النبطية حتى الآن. ما يجري هو نمط مختلف: حرب ضغط جوية، واستهدافات موضعية، ومحاولات استنزاف البنية القيادية والاتصالية لحزب الله في الجنوب.
لكن في المفهوم العملياتي، إسرائيل تنتقل تدريجياً من “إدارة الاشتباك” إلى “تهيئة ساحة الاشتباك”، أي خلق ظروف تجعل العمق الجنوبي أقل قدرة على العمل كمنظومة واحدة.
المحاور المحتملة لأي تقدم بري
في حال توسع العمليات، فإن القراءة العسكرية التقليدية تشير إلى ثلاثة محاور رئيسية:
محور الساحل الجنوبي باتجاه الناقورة وصور، حيث الأرض أكثر انفتاحاً نسبياً.
محور القطاع الأوسط باتجاه بنت جبيل ومرجعيون، وهو الأكثر تعقيداً بسبب التضاريس والأنفاق والتحصينات.
محور القطاع الشرقي باتجاه حاصبيا وامتدادات البقاع الغربي، وهو محور ربط استراتيجي أكثر منه محور اختراق سريع.
لكن أي تقدم بري في هذه المحاور يصطدم بعاملين حاسمين: كثافة السكان، وتداخل البنية المدنية مع البنية العسكرية.
البنية العسكرية لحزب الله في النبطية
لا يعتمد حزب الله على تمركزات تقليدية ثابتة، بل على نموذج “الشبكة الموزعة”. أي وحدات صغيرة، متحركة، تعمل ضمن بيئة مدنية وتستفيد من الجغرافيا والطرق الفرعية.
التقديرات تشير إلى أن الجنوب اللبناني، بما فيه محيط النبطية، يضم آلاف العناصر القادرين على العمل ضمن خلايا محلية، إضافة إلى منظومة صواريخ قصيرة ومتوسطة المدى موزعة على نطاق واسع، ما يجعل استهدافها الكامل شبه مستحيل دون كلفة تدميرية عالية.
الخاصية الأهم هنا ليست العدد، بل طريقة الانتشار: لا مركز قيادة واضح يمكن ضربه لإنهاء المنظومة.
استراتيجية الدفاع: الاستنزاف بدل المواجهة
استراتيجية حزب الله الدفاعية تقوم على ثلاث طبقات:
الطبقة الأولى: تعطيل أي تقدم بري عبر الاشتباك القريب.
الطبقة الثانية: استنزاف القوات المتقدمة عبر الكمائن النارية والعبوات الموجهة.
الطبقة الثالثة: إبقاء العمق الجنوبي قابلاً للاستمرار حتى في حال تضرر جزء منه.
هذه الاستراتيجية لا تهدف إلى “منع الحرب”، بل إلى منع “حسم الحرب”.
هل يمكن تطويق النبطية فعلاً؟
تطويق مدينة بحجم النبطية في بيئة لبنانية جنوبية ليس عملية عسكرية بسيطة، بل معادلة جغرافية-بشرية معقدة. فالتطويق الكامل يتطلب سيطرة على محيط واسع من القرى والطرق الجانبية، وهو ما يعني عملياً توسيع رقعة العمليات إلى ما يتجاوز المدينة نفسها.
وهنا تكمن المفارقة: كلما توسع التطويق، تقلصت إمكانية التحكم به.
ليست النبطية ساحة معركة تقليدية، بل نقطة اختبار لمعادلة أكبر: هل يمكن لإسرائيل أن تفصل الجنوب عن عمقه، وهل يمكن لحزب الله أن يحول الجغرافيا إلى شبكة مقاومة لا تُحسم بضربة واحدة؟
في هذا التوازن، لا تبدو المدينة قابلة للسقوط السريع، ولا تبدو أيضاً خارج دائرة الاستهداف. إنها منطقة “تعليق استراتيجي”، حيث لا حرب تُحسم ولا سلام يُفرض، بل إدارة دائمة للاشتباك على حافة الانفجار.

Exit mobile version