لم يعد قطاع الهايتك في إسرائيل مجرد قطاع اقتصادي متطور، بل تحول خلال العقدين الأخيرين إلى العمود الفقري للاقتصاد الإسرائيلي، والمصدر الرئيسي للنمو والصادرات والإيرادات الضريبية. إلا أن هذا النجاح الاستثنائي يحمل في داخله مفارقة واضحة: فكلما ازداد اعتماد الاقتصاد الإسرائيلي على التكنولوجيا، ازدادت هشاشته أمام أي أزمة تضرب هذا القطاع.
وقد برزت هذه الحقيقة بوضوح مع التباطؤ العالمي الذي بدأ منذ النصف الثاني من عام 2022، بعدما عاش القطاع سنوات من النمو السريع والاستثمارات القياسية.
مساهمة القطاع في الاقتصاد
تكشف بيانات عام 2021 حجم الثقل الاقتصادي الذي يمثله قطاع الهايتك في إسرائيل:
- يشكل العاملون في الهايتك 10.4% من إجمالي العاملين بأجر.
- يساهم القطاع بنحو 15.3% من الناتج المحلي الإجمالي.
- يمثل 54% من إجمالي الصادرات الإسرائيلية.
- شكل العاملون في القطاع نحو 25% من مجمل إيرادات ضريبة الدخل سنة 2020.
- متوسط الأجر في الهايتك أعلى من متوسط الأجر العام في الاقتصاد بنسبة 151%.
هذه الأرقام تعني عملياً أن أكثر من نصف الصادرات الإسرائيلية تعتمد على قطاع التكنولوجيا، وأن جزءاً أساسياً من الإيرادات الضريبية للدولة يأتي من العاملين فيه.
أهمية استراتيجية تتجاوز الأرقام
عزز ارتفاع الطلب العالمي على التكنولوجيا الإسرائيلية خلال جائحة كورونا النمو الاقتصادي والصادرات بصورة غير مسبوقة، ما رسّخ مكانة الهايتك كمحرك رئيسي للاقتصاد الإسرائيلي.
لكن في المقابل، يعتمد الاقتصاد الإسرائيلي بصورة كبيرة على أداء هذا القطاع، ما يجعله أكثر عرضة للصدمات عندما يمر بأزمات، كما حدث خلال أزمة الدوت كوم عام 2001، وكما ظهر مجدداً مع التباطؤ العالمي الذي بدأ منذ النصف الثاني من عام 2022.
نمو متواصل في أعداد العاملين
شهدت العمالة في القطاع نمواً ملحوظاً خلال العقد الأخير: - عام 2012: نحو 274 ألف موظف (الحصة من سوق العمل 8.8%).
- عام 2017: نحو 335 ألف موظف.
- عام 2021: نحو 388 ألف موظف (الحصة 10.1%).
- شباط 2023: نحو 392 ألف موظف (الحصة 9.9%).
وتوضح هذه الأرقام أن قطاع الهايتك نجح في توسيع حضوره داخل سوق العمل الإسرائيلي بصورة متواصلة، رغم التحديات الاقتصادية التي بدأت بالظهور خلال السنوات الأخيرة.
الشركات متعددة الجنسيات مقابل الشركات المحلية
تكشف بيانات النمو عن تباين واضح بين أداء الشركات متعددة الجنسيات والشركات المحلية.
فالشركات متعددة الجنسيات واصلت النمو بمعدل ربع سنوي تراوح بين 1% و3%.
أما الشركات المحلية فتراجع نموها من +4% في الربع الأول من عام 2022 إلى -0.7% في الربع الرابع من العام نفسه.
ويعكس هذا التفاوت قدرة الشركات العالمية الكبرى على امتصاص الصدمات الاقتصادية بصورة أفضل مقارنة بالشركات الإسرائيلية المحلية.
فجوة الأجور
بحسب بيانات شباط 2023: - متوسط الأجر في الاقتصاد الإسرائيلي: 12,061 شيكلاً.
- متوسط الأجر في قطاع الهايتك: 30,241 شيكلاً.
- الفجوة: أجر العامل في الهايتك أعلى بنسبة 151% من متوسط الأجر العام.
وتجعل هذه الفجوة من العاملين في قطاع التكنولوجيا الفئة الأعلى دخلاً في الاقتصاد الإسرائيلي، كما تساهم في توسيع الفوارق الاقتصادية والاجتماعية داخل المجتمع.
التركيبة الاجتماعية للقطاع
تكشف بيانات عام 2021 عن تركيز اجتماعي واضح داخل القطاع: - اليهود غير الحريديم: 94.3%.
- الحريديم: 2.9%.
- العرب: 1.8%.
وتشير هذه الأرقام إلى أن قطاع الهايتك ما زال يعتمد بصورة شبه كاملة على اليهود غير الحريديم، في حين تبقى مشاركة العرب والحريديم محدودة للغاية.
التركز الجغرافي
لا يقتصر التركيز على البعد الاجتماعي، بل يمتد أيضاً إلى البعد الجغرافي.
توزيع العمالة يظهر أن: - نحو ثلث شركات الهايتك وربع العاملين يتمركزون في تل أبيب.
- حيفا: 13.6%.
- هرتسليا: 7.7%.
- رحوفوت ونس تسيونا: 6.6%.
- القدس: 4.4%.
ويؤكد هذا التوزيع استمرار هيمنة منطقة المركز على النشاط التكنولوجي الإسرائيلي، مقابل حضور أقل للمناطق الأخرى.
الاستثمارات في الهايتك
وصلت الاستثمارات في القطاع إلى ذروتها خلال عام 2021 عندما بلغت 24.9 مليار دولار.
لكن هذا الرقم تراجع في عام 2022 إلى 15 مليار دولار فقط، ما يعكس التغيرات التي شهدتها الأسواق العالمية وارتفاع كلفة التمويل وتراجع الاستثمارات في قطاع التكنولوجيا عالمياً.
الصادرات والاقتصاد الكلي
بين عامي 2019 و2021 نمت صادرات إسرائيل من الهايتك بحوالي 11.4%.
ويؤكد هذا النمو استمرار الطلب العالمي على التكنولوجيا الإسرائيلية، رغم التحديات الاقتصادية الدولية.
البحث والتطوير (R&D)
يبقى الإنفاق على البحث والتطوير أحد أهم عناصر القوة في الاقتصاد الإسرائيلي.
ففي عام 2021 بلغت نسبة الإنفاق على البحث والتطوير 5.6% من الناتج المحلي الإجمالي.
أما في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، فتبلغ النسبة 2.7% فقط.
وبذلك تحتل إسرائيل المرتبة الأولى في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من حيث كثافة الإنفاق على البحث والتطوير، وهو ما يشكل أحد أهم مصادر تفوقها التكنولوجي.
الاستنتاجات الرئيسية
قطاع الهايتك يشكل العمود الفقري للاقتصاد الإسرائيلي من حيث الصادرات والنمو والأجور والضرائب.
القطاع شديد التركيز اجتماعياً وجغرافياً ويعتمد أساساً على اليهود غير الحريديم في منطقة المركز.
منذ النصف الثاني من عام 2022 بدأ تحول واضح من مرحلة التوسع السريع إلى مرحلة تباطؤ وانكماش.
تراجعت الاستثمارات والتوظيف والوظائف الشاغرة بصورة حادة.
رفع الفائدة عالمياً ومحلياً ساهم في التراجع.
المؤسسات الاقتصادية الإسرائيلية والدولية ربطت جزءاً من التباطؤ بحالة عدم اليقين المرتبطة بخطة التعديلات القضائية.
رغم الأزمة، ما زالت إسرائيل تحتفظ بأعلى كثافة للبحث والتطوير في العالم المتقدم، ما يمنح القطاع قدرة أكبر على التعافي مقارنة بأزمة الدوت كوم عام 2001.
خلاصة
تكشف هذه المعطيات أن قطاع الهايتك ليس مجرد قطاع اقتصادي ناجح داخل إسرائيل، بل هو الركيزة التي يستند إليها جزء كبير من النمو والصادرات والإيرادات العامة. إلا أن هذا الاعتماد المفرط يجعل الاقتصاد الإسرائيلي أكثر حساسية تجاه أي هزة تصيب قطاع التكنولوجيا، سواء كانت ناتجة عن تباطؤ عالمي أو عن عوامل داخلية سياسية واقتصادية. وبينما تمنح القدرات البحثية والاستثمارية المتقدمة القطاع فرصاً كبيرة للتعافي، فإن السنوات المقبلة ستحدد ما إذا كانت إسرائيل قادرة على الحفاظ على تفوقها التكنولوجي أم أنها ستواجه تحديات بنيوية أعمق في أحد أهم محركات اقتصادها.
