في لحظة لبنانية بالغة التعقيد يبدو أن رفض حزب الله لوقف إطلاق النار لا ينفصل عن منظومة قرار تتجاوز بيروت نحو طهران حيث يترسخ نفوذ الحرس الثوري الإيراني في تفاصيل المشهد اللبناني السياسي. في هذا السياق لا يعود القرار مجرد خيار داخلي بل يعكس بنية ارتباط عضوي بين الحزب ومرجعيته الإقليمية.
إذ تشير الوقائع إلى أن أي تفاهم محتمل كان سيبقى مشروطا بموافقة خارجية لا تنبع من الحسابات اللبنانية الخالصة. وفي المقابل تبدو الدولة اللبنانية في موقع الساعي إلى تثبيت معادلة الاستقرار رغم هشاشة التوازنات الداخلية.
غير أن استمرار التعطيل يضع الحكومة أمام اختبار صعب يتعلق بقدرتها على فرض منطق السيادة على كامل الجغرافيا اللبنانية ويطرح السؤال حول جدوى أي عملية سياسية لا تملك أدوات تنفيذ فعلية.
في الموازاة تتعمق معاناة سكان الجنوب الذين يدفعون الثمن المباشر لأي تصعيد أو تجميد للصراع بينما تبقى القرارات الكبرى محكومة بتوازنات إقليمية تتجاوز القدرة اللبنانية على التأثير.
ومن هنا يبرز توصيف مفاده أن ما يجري لا ينفصل عن دور الحرس الثوري في إدارة النفوذ عبر الوكلاء في المنطقة وهو ما يعيد طرح سؤال السيادة اللبنانية في ظل تعدد مراكز القرار وتداخل المصالح.
وفي المحصلة تبدو البلاد أمام لحظة إعادة تعريف لمفهوم الدولة ودورها وحدود قدرتها حيث يصبح خيار المواجهة مع هذا الواقع السياسي معقدا للغاية ويحتاج إلى مقاربة مختلفة تتجاوز منطق الاصطفاف التقليدي.
إن غياب حل داخلي واضح يزيد من احتمالات الانزلاق نحو مزيد من التوتر ويضع لبنان أمام تحديات مفتوحة على كل الاحتمالات دون أن يكون هناك أفق قريب لتسوية شاملة تعيد الاعتبار للدولة ومؤسساتها في مواجهة منطق السلاح خارج الشرعية. ومع استمرار هذا المشهد تبقى الأسئلة الجوهرية معلقة حول مستقبل القرار اللبناني وقدرته على التحرر من الوصايات الخارجية المختلفة في انتظار لحظة توازن جديدة تعيد رسم المسار السياسي الداخلي التي تحدد مصير المرحلة المقبلة بوضوح تام.

