في بلادٍ تحترف قتل أبنائها، لم يعد مستغرباً أن يتحول القلم إلى رصاصة، والورقة الامتحانية إلى كفن. في لبنان، حيث تصرّ الدولة ومؤسساتها على ممارسة “الوقاحة الإدارية” تحت مسمى “استمرارية العام الدراسي”، يُساق الطلاب إلى حتوفهم وكأنهم أرقام في سجلات وزارة التربية وإدارة الجامعة اللبنانية، لا أرواحٌ تنبض بالحياة والطموح.
في ظل حربٍ طاحنة، وسماءٍ تمطر ناراً ودماراً في الجنوب، أطلّت علينا وزارة التربية بقراراتها العبثية، لتطلب بكل برود من طلاب القرى الحدودية اجتياز حقول الألغام وطرقات الموت ليثبتوا جدارتهم العلمية.
ريما كرامي: دماء الطلاب ليست حبراً لتوقيعاتكِ
تتصدر معالي وزيرة التربية، ريما كرامي، مشهد هذه الجريمة الموصوفة. تجلس في مكتبها المكيّف في العاصمة، المحصّن ضد أصوات الغارات وجدار الصوت، لتنظّر علينا بضرورة “الحفاظ على المستوى الأكاديمي”. يبدو أن معالي الوزيرة قد اختلط عليها الأمر؛ فظنت أن دماء طلاب الجنوب هي مجرد حبرٍ رخيص لتوقّع به على قراراتها الاستعراضية، لتثبت للمجتمع الدولي أن وزارتها تعمل بانتظام.
ألا تدرك ريما كرامي أن القرار الإداري الذي يفتقر إلى الإنسانية وإدراك الواقع هو قرارٌ قاتل؟ عندما تُصدر وزيرة التربية تعميماً يُجبر طالباً على عبور طريقٍ تستهدفه المسيّرات الحربية، فهي لم تعد مجرد مسؤولة عن قطاع تعليمي، بل باتت شريكة في تحويل هذا القطاع إلى منصة إعدام جماعي. قراراتكِ يا معالي الوزيرة لم ترفع مستوى التعليم، بل رفعت أعداد التوابيت.
عن أيّ نفسية تتحدثون؟
قبل أن تسألوا الطالب عن إجابته على ورقة الامتحان، هل سألتموه عن حالته النفسية؟ هل يعقل لطالب ينام على هدير الطيران الحربي، ويستيقظ على أصوات الانفجارات التي تزلزل الجدران والقلوب معاً، أن يجلس بهدوء ليحلل معادلة رياضية أو يسرد أحداثاً تاريخية؟
إن العقل البشري تحت التهديد المباشر للموت يتحول تلقائياً إلى وضع “البقاء على قيد الحياة” (Survival Mode). إجبار الطلاب على الخضوع لامتحانات مصيرية في هذه الظروف ليس مقياساً للكفاءة، بل هو تعذيب نفسي ممنهج وامتحانٌ لقدرتهم على تحمل الرعب، لا لقدرتهم على الاستيعاب الأكاديمي.
القليعة تدفع ثمن “القرارات الغبية”
تجلّت قمة مأساة هذه الإدارة العقيمة على طريق العودة إلى “القليعة”، تلك البلدة الجنوبية الصامدة التي أبت أن تترك أرضها وغرست جذورها في الصخر رافضةً التهجير. هناك، على تلك الطريق المعبدة بالخطر، كُتبت أبشع فصول استهتار الوزارة.
أبٌ يحمل في قلبه خوف الدنيا على ولديه، وُلدان تسلحا بالعلم وتوجها لتقديم امتحاناتهما في الجامعة اللبنانية – جامعة الوطن التي تحولت إلى “جامعة الموت”. قدّموا الامتحانات، سكبوا حبر طموحهم على الأوراق، وفي طريق العودة إلى حضن قريتهم، كان الموت أسرع. استشهد الأب وطالباه، اختلط حبر الامتحانات بدمائهم الزكية، وتمزقت أوراق الإجابات لتتطاير مع أشلاء أحلامهم.
دولة “الإفادات” تستأسد في زمن الحرب!
أمام هذا الدم، تتبجح ريما كرامي والجهات المعنية بـ “قدسية الشهادة الرسمية”. يا لوقاحة التاريخ! أين كانت هذه القدسية عندما ألغت الدولة الامتحانات ووزعت “الإفادات” يميناً ويساراً لأسباب لا تقارن بخطر الحرب؟
- في عام 2014، ألغيت الامتحانات وأُعطي الطلاب إفادات ترفيع فقط لأن الأساتذة أضربوا للمطالبة بسلسلة الرتب والرواتب.
- في عام 2020، أُلغيت الامتحانات الرسمية وتم ترفيع الطلاب بموجب إفادات بسبب جائحة كورونا.
- وفي الأعوام الأخيرة (2021 و2023)، تم إلغاء شهادة “البريفيه” بجرة قلم لأسباب لوجستية ومجرد عجز إداري عن تأمين مراكز ومراقبين.
نسألكِ اليوم يا وزيرة التربية: هل إضراب المعلمين، أو نقص الحبر والورق في وزارتك، أخطر وأهم من صواريخ الطائرات الحربية التي تمزق أجساد أبنائنا؟ كيف تهون عليكم دماء الجنوبيين لتستأسدوا عليهم اليوم بقوانين الامتحانات، بينما كنتم بالأمس القريب تبيعون الشهادات بإفادات مجانية لأسباب إدارية تافهة؟
شهادةٌ تُعلّق على شواهد القبور
لقد أثبتت هذه الفاجعة أن النظام التعليمي في لبنان بقيادة ريما كرامي مصابٌ بانفصامٍ حاد عن الواقع، وانعدامٍ تام للرؤية وللأخلاق المهنية. الشهادة التي ينالها الطالب بعد أن يودع أهله وداع من لا عودة له، هي شهادة عار على جبين هذه الوزارة.
إلى أرواح شهداء القليعة، الأب الذي كان درعاً لولديه حتى الرمق الأخير، والطالبين اللذين ذهبا لانتزاع مستقبلهما فانتزعتهما يد الغدر واستهتار الدولة: عذراً منكم. لقد نلتم “الشهادة الأسمى”، وتركتم لنا شهاداتٍ ورقية ملطخة بالدم لن نمحوها من ذاكرة هذا الوطن. أما لتجار القرارات في أروقة وزارة التربية فنقول: استقيلوا، فقد سقطتم في امتحان الإنسانية، ولا قيمة لوزارة تتخرج منها النعوش بدلاً من الطلاب.
الكاتب: أسعد نمور

