كشفت معطيات جديدة في واحدة من أخطر قضايا التجسس التي تطال المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، عن حجم الاختراق الذي نجحت به الاستخبارات الإيرانية داخل سلاح الجو، عبر تجنيد جنديين بمبالغ زهيدة ومهام تصاعدت تدريجياً من جمع معلومات عادية إلى طلب تنفيذ عمليات نوعية.
تُظهر التفاصيل أن التواصل بين الجنود والمشغّلين الإيرانيين استمر نحو عام كامل، في مسار يعكس أسلوب “الاختبار التدريجي” الذي تعتمده أجهزة الاستخبارات، حيث تبدأ المهام بطلبات بسيطة قبل الانتقال إلى أهداف أكثر حساسية. في البداية، سأل أحد العملاء الإيرانيين الجندي عن الراتب الذي يرضيه، فحدده بـ1300 دولار شهرياً، في مؤشر إلى هشاشة الدوافع المادية التي استُغلّت في عملية التجنيد.
ولم يقتصر الأمر على جمع المعلومات، بل وصل إلى طلبات خطيرة، أبرزها اغتيال قائد سلاح الجو اللواء تومر بار، وهو ما لم يُنفّذ، رغم أن ردّ الجندي جاء ملتبساً بقوله إنه “سيفحص الأمر ويحاول”. كما طلب الإيرانيون صوراً دقيقة لمناطق سكن مسؤولين سياسيين وعسكريين بارزين، بينهم بنيامين نتنياهو، نفتالي بينيت، إيتمار بن غفير، وهرتسي هاليفي، إضافة إلى معلومات عن بتسلئيل سموتريتش.
التكليفات شملت أيضاً تصوير مواقع حساسة في تل أبيب، مثل شارعي روتشيلد وكابلان، إلى جانب قواعد عسكرية، وإحداثيات بطاريات القبة الحديدية وأنظمة الدفاع الجوي، وحتى مساكن الطيارين الكبار، ما يعكس اهتماماً إيرانياً ببناء بنك أهداف متكامل.
ومن بين أخطر ما كُشف، قيام أحد الجنود بتسليم معلومات “سرية” تتعلق بأنظمة طائرات مقاتلة، حصل عليها خلال دورة تأهيل فنيين، إلا أن المشغّلين الإيرانيين اعتبروا المعلومات غير كافية، وطالبوه بمهام أكثر حساسية. لاحقاً، أقدم الجندي على تصوير برج مراقبة داخل قاعدة جوية، تظهر في خلفيته مدارج وطائرات مسيّرة، دون أن يتلقى أي مقابل، ما يكشف عن استغلال نفسي يتجاوز البعد المالي.
وفي محاولة لإثبات موقعه العسكري، صوّر الجندي طائرة مقاتلة داخل القاعدة، لكن الإيرانيين طالبوه بمستوى أعلى، مثل تصوير الطائرات أثناء الإقلاع. كما عرضوا عليه لاحقاً تنفيذ عمليات تخريبية، بينها التسبب بتأخير متعمّد في إقلاع الطائرات قبل عملية “شعب كالأسد” عام 2025، مقابل مبالغ محدودة، إلا أنه رفض.
اللافت أن العلاقة انتهت بعد رفض الجندي تنفيذ هجوم مسلح، حيث قطع الإيرانيون الاتصال، وسط شكوك بأنهم اعتبروه عميلاً مزدوجاً. غير أن الجندي حاول لاحقاً إعادة التواصل، بل سعى للعثور على مشغّلين إيرانيين جدد عبر الإنترنت، دون جدوى.
تكشف هذه القضية عن ثغرات عميقة في بنية الأمن العسكري الإسرائيلي، ليس فقط على مستوى الحماية التقنية، بل أيضاً في ما يتعلق بالجاهزية النفسية والرقابة الداخلية، في وقت تؤكد فيه أن الحروب الاستخبارية باتت تعتمد بشكل متزايد على استغلال الأفراد قبل الأنظمة.