المشكلة في لبنان ليست أن حزب الله يرفض وقف إطلاق النار. هذه نتيجة وليست سبباً. المشكلة أن الحزب ما زال يتصرف على أساس أن لبنان تفصيل صغير في مشروع أكبر، وأن مصلحة الدولة اللبنانية تأتي دائماً بعد مصلحة المحور.
حين قال جوزيف عون إن الفرصة المتاحة أمام لبنان قد تكون الأخيرة، وإن على الجميع أن يتحمل مسؤولياته، لم يناقشه أحد في جوهر كلامه. لم يسأله أحد لماذا يعتبرها الفرصة الأخيرة. لم يناقشه أحد في مخاطر استمرار الوضع الحالي. ببساطة، انطلقت ماكينة الشتائم والتخوين والتهجم الشخصي، وكأن المطلوب من رئيس الجمهورية أن يصمت عندما تصبح الدولة نفسها على حافة الهاوية.
في مكان ما، هناك وهم كبير ما زال يحكم عقل حزب الله. وهم أن إيران تستطيع أن تتفاهم مع الأميركيين متى تشاء، وأن تفاوض متى تشاء، وأن تعقد الصفقات التي تناسب مصالحها، فيما يُمنع على لبنان أن يسأل أو أن يعترض أو حتى أن يناقش. كأن لبنان ليس دولة بل ملحق سياسي بمشروع إقليمي أكبر منه.
لكن ماذا لو قال رئيس الجمهورية للإيرانيين إن أي تفاهم أميركي ـ إيراني لا يراعي المصالح اللبنانية مرفوض؟ ماذا لو وجّه إلى طهران موقفاً سيادياً مماثلاً لذلك “الأمر العملياتي” الذي وجّهه الحرس الثوري إلى الساحة اللبنانية برفض اتفاق وقف إطلاق النار؟ ماذا لو قال إن لبنان ليس جائزة ترضية على طاولة المفاوضات؟ ماذا لو قال إن السيادة اللبنانية ليست بنداً قابلاً للتفاوض بين الآخرين؟
هنا تحديداً تبدأ المشكلة الحقيقية.
إيران التي بنت نفوذها الإقليمي على فكرة الساحات لا تعترف عملياً بلبنان كدولة مستقلة كاملة السيادة. وحزب الله هو الأداة التي تجعل هذا الإنكار ممكناً. لذلك أصبح الحزب في عزلة داخلية متزايدة. لم تعد علاقته بإيران مجرد تحالف سياسي أو عقائدي، بل تحولت إلى هوية سياسية مستقلة تتقدم على أي انتماء وطني آخر.
صحيح أن هناك محاولات جدية لإعادة جزء من الطائفة الشيعية إلى الفكرة اللبنانية، وإلى مشروع الدولة، لكن الصحيح أيضاً أن هذه المحاولات تصطدم بحقيقة قاسية: حتى اللحظة ما زالت البيئة الشيعية السياسية مقفلة إلى حد بعيد أمام أي بديل فعلي لحزب الله.
أما نبيه بري، فيواصل سياسة التمايز المدروس. لكنه تمايز ينتظر تبدل موازين القوى أكثر مما يصنعها. ولذلك يبقى السؤال الذي يلاحقه: هل الأولوية لإنقاذ حزب الله أم لإنقاذ الطائفة الشيعية؟ حتى الآن لا جواب واضحاً.
لبنان يقف أمام أزمة كيانية بكل معنى الكلمة. وإذا استمر حزب الله في رفض وقف إطلاق النار، فإن الحرب ستعود. وعندما تعود لن تسأل أحداً عن شعاراته أو تبريراته.
يبقى السؤال الذي لا يجرؤ كثيرون على طرحه داخل بيئة الحزب: لماذا يحق لطهران أن تفاوض الأميركيين، ولا يحق لرئيس الجمهورية اللبنانية أن يقول لطهران إن لبنان ليس جزءاً من الصفقة؟
في الدول الطبيعية يسمى هذا دفاعاً عن السيادة. أما في لبنان، فيبدو أن مجرد طرح السؤال ما زال يحتاج إلى شجاعة استثنائية.
النشرة الصباحية
الرئيسية
مقالات خاصة
الموقف اليوم_ماذا لو قال عون لطهران: اتفاقكم مع أميركا مرفوض؟
- by Mohammad Ahmad
- June 5, 2026
- 0 Comments
- Less than a minute
- 1 hour ago
