في الشرق الأوسط مدرستان في قراءة الحروب. مدرسة تقيس النتائج، وأخرى تكتفي بالنوايا. الأولى تسأل: ماذا أصبت؟ ماذا دمرت؟ ماذا حققت؟ والثانية تسأل: ماذا أردت أن تفعل؟ ثم تمنحك وسام النصر حتى لو لم يتحقق شيء.
في الجولة الأخيرة، أطلقت إيران أربعة وعشرين صاروخاً. النتيجة المعلنة: اعتراض الصواريخ في الجو قبل وصولها إلى أهدافها. لا قتلى، لا أضرار تُذكر، ولا تبدل في ميزان القوى. في المقابل، تتحدث المعطيات عن تدمير منظومات دفاع جوي إيرانية، واستهداف منصات إطلاق صواريخ، وضرب منشآت حيوية، مع تداول معلومات عن اغتيالات في مستويات قيادية رفيعة لم تؤكد بعد.
لكن المفارقة لا تكمن في الميدان، بل في طريقة قراءة الميدان. فحين يتعلق الأمر بإسرائيل، يبدأ النقاش من النتائج. هل تحقق الهدف العسكري؟ ما حجم الخسائر؟ ماذا كانت الكلفة؟ وهل نجحت العملية أم أخفقت؟ لا مكان كثيراً للشعارات في هذا النوع من التقييم.
أما عندما يتعلق الأمر بإيران، فيتحول النقاش إلى احتفال بالنوايا. يكفي أن تكون طهران قد أرادت الرد حتى يصبح الرد انتصاراً. يكفي أن تكون قد أطلقت الصواريخ حتى يصبح المشهد ملحمة، بغض النظر عن عدد الأهداف المصابة أو حجم الضرر الفعلي الذي تحقق.
هنا يصبح الفشل بطولة، وتتحول الخسارة إلى إنجاز، ويُطلب من الجمهور أن يصفق للمحاولة لا للنتيجة. كأن الحروب مباريات في حسن النيات لا في موازين القوى والوقائع العسكرية.
المشكلة ليست في الدعاية، فكل الأطراف تمارس الدعاية. المشكلة في الإصرار على اعتماد معيارين متناقضين: معيار قاسٍ يقوم على النتائج عندما يتعلق الأمر بالخصم، ومعيار عاطفي يقوم على النوايا عندما يتعلق الأمر بالحليف.
لهذا يبدو المشهد أقرب إلى احتفال جماعي بالوهم. انتصارات تُعلن قبل معرفة نتائجها، وأناشيد تُرفع فوق أنقاض الحقائق، وجمهور يُطلب منه أن يصدق أن الصاروخ الذي لم يصب هدفاً هو إنجاز استراتيجي بحد ذاته.
ويبقى السؤال البسيط الذي يرفض أصحاب الهتافات الإجابة عنه: إذا كانت هذه هي الانتصارات، فكيف تبدو الهزائم؟
مقالات خاصة
الرئيسية
النشرة الصباحية
الموقف اليوم_بين انتصارات النيات وهزائم الوقائع
- by Mohammad Ahmad
- يونيو 9, 2026
- 0 Comments
- Less than a minute
- ساعتين ago
