الحج مقتدياً بمشغليه في إيران

كتب حنا صالح:

ما هذه النكبة وما هذا الجبن السياسي الذي يصمت على المشاهد المروعة لتدمير جني أعمار الناس؟

بلداتنا الجنوبية، إن تلك التي يتباهى العدو بأنه حولها إلى حزام أمني أو خارجه، تدمر عن بكرة أبيها. تدمر بيتاً بيتاً وحجراً حجرَ.. والإقتلاع القسري شمل كل أهل الأرض. كيف ينام المسؤول أمام هذا الضيم؟ كيف يصمت أي لبناني أمام مشاهد تقطع القلبن عن نسف عمران بلدنا الذي بذل الأهل والأخوة والأبناء العرق والجهد والدم لرفع بنيان هذه البلدات؟ كيف لا يسمع من بيدهم القرار أنين الناس ووجعها، وهي ترى كيف يتم ترميد أعمارها مع ترميد بيوتها؟

إستمعت هذا الصباح لصرخة مواطن جنوبي يتحدث من قلب محروق يقول: ” كيف الناس بدها تجيب أغراض لأولادها وتستأجر، هلق لوين بعد بدها تضهر، لوين بدها تروح الناس، لوين بدها تتشمطط العالم ع الطرقان، كفانا ذل، ذليتونا نحن أهل الجنوب وما حدن عم يسأل عنا، إنزلينا ع الطرقان، إنزلينا هون وهون ونترجى حدن يعطينا أوضة، حدن يعطينا مي لنتحمم..كفانا ذل، ما عاش فينا، الموت هون بوجه مسكفعام( مستوطنة إسرائيلية) أشرف علينا من إنو ننزل”!

وكتبت الكاتبة والرسامة رلى الحسيني: “بتقلو عم يهدمولنا قرانا بيت بيت وذكرى ذكرى.. بيقلك ميركافا! بتقلوا قلوبنا.. بيقلك معانا نحاس معانا حديد معانا بطاريات”!

ويرثي الإستاذ محمد قديح منزله فيكتب: ” ليس هذا نصاً عن بيت سقط، بل عن حياة كانت تقف بين جدرانه.. ثم إختفت.. أربعون عاماً، لم تمر..كانت تبني كل يوم حجر، كل دمعة مسمار، كل فرح نافذة حتى صرا بيتاً، يسكن بيتاً. ثم .. حدث ما لا يُروى. سقطت دفعة واحدة. كرف مثقل بالشعر، كجملة لم تحتمل معناها. لم يسقط السقف فقط، سقطت الأصوات..حتى كتبي صارت شظايا لغة.. خرجت.. أحمل مفتاحاً لا باب له وذاكرة تبحث عن جدران”!

وكتب التشكيلي والإستاذ الجامعي حسين ياغي: “بنينا بيتنا بعرق الجبين والتعب المخلص والمال النظيف والمحبة ووضعنا فيه عصارة روحنا من أعمال فنية وأدبية من لوحات ومنحوتات. ثم وجدناه كسيراً مصاباً بقذائف جعلته غير صالح للسكن..آمنت بوطني، وإستثمرت فيه ولم أأذي أحداً. تخليت عن كل خيارات العيش في أماكن أخرى ظاناً أنني سأعيش بأمان في جنة وطني. على مشارف النهاية أجد نفسي مشرداً بسبب هذه الحروب اللعينة. نحن موجودون بين حجري رحى. عدو ظالم يدمر منازلنا وأرضنا من جهة، وأناس يزرعون الصواريخ بين البيوت تحت شعار المقاومة. كيف نسامح الذين زجونا في هذه الحروب القاسية وجعلوا شبابنا وبيوتنا وأرضنا وقوداً لها”؟!

لكن نائب الجنوب من 30 سنة الحج ( قال حج) محمد رعد يصدر الفتوى بمنع “التباكي على الخسائر والضحايا والدمار إبان المواجهة والمقاومة”..لماذا؟ لأنها تصبح “عزفاً وتحريضاً مجانياً ورقصاً على جراح الشرفاء”! يعني صاحب كل تعبير عن الوجع يخرج من قائمة الشرفاء أمثال الحج الذي يقتدي ب”مثل” كبرى يتمتع بها مشغليه في إيران!

أمام كل هذا الوجع لن يجد موجوع أومتابع موقفاً يمكن أن يبلسم جرح. لا موقف لأي جهة رسمية يرفع الصوت إحتجاجاً وإستنكاراً، ولم أعثر على مذكرة أو تحرك سياسي للديبلوماسية اللبنانية، يطرح الصوت على العالم، مؤسسات إنسانية وقانونية، لمحاولة وقف هذا الإجرام المتمادي. المنظومة السياسية بكل “احزابها” الطائفية بإجازة مفتوحة، تنتظر، تراقب، وتراهن على زيادة حصتها (يلعن ابوكم). “المرجعيات” الدينية “كوما”. أما البرلمان فلا يرتضي على نفسه قطع غربته عن واقع البلد، يثبت اليوم وكل يوم إنعدام تمثيله للناس، فإنه مؤسسة غير معنية بالوجع وإن تحرك “غب الطلب” فليطحن الناس بالضرائب. نعم نعم: “المشرعون” عندنا لديهم كفاءة عالية بالإختصاصات الإجتماعية من مآدب وعزوات ولا ننسى مناسبات “الطهور”. أما نواب الجنوب فأغلبيتهم عبء على الجنوب وأهله.

أما نائب الجنوب ورئيس البرلمان منذ 34 سنة، فحدث ولا حرج. مثلاً إنه لا يعارض التفاوض لكنه يريد التفاوض غير المباشر. في هذا الجانب يبحث عن تسجيل نقاط بعدما تراجع الدور الذي لعبه من فوق عنق الدستور، يتقدم رئاسة الجمهورية ويتقاسم القرار مع السلطة التنفيذية، وآخر الأمثلة: الترسيم البحري الذي هدر حقوق لبنان وإنتهك سيادة البلد، ثم “إنجازه” في إتفاق وقف النار(2024) الذي منح العدو الإسرائيلي حرية التحرك في لبنان ل”التصدي” لأي مصدر خطر (كذا)! فتكرر هذا “الحق” بقرار وقف النار الحالي!

يتذكر عطوفته بين حين وآخر “الميكانيزم”، كرّس تاريخه في السلطة لتثبيت محاصصة غنائمية للدولة، وممارسة التسلط بالبدع والنهج الإنقلابي الذي بدأه في 6 شباط 1984، وهو بحق رمز نظام الحصانات وقانون الإفلات من العقاب بحيث لم تتم مساءلة مرتكب. لم يكن وحده، تشاركت معه كل منظومة الفساد، لكنه كان الأكثر تميزاً في تغطية نهج أفضى لتغول الدويلة على الدولة عندما قدم تعزيز موقعه إستناداً غلى فائض قوة حزب الله، الذي أخذ البلد بقرار إيراني إلى الدمار 4 مرات في 20 سنة: في تموز 2006، وفي الحرب على الشعب السوري، وفي “إسناد” غزة والآن “إسناد” النظام الإيراني والثأر للخامنئي، فكان في موقع الشريك بإنهاء الجنوب وإنزال نكبة العصر بالطائفة الشيعية وبعدها بالبلد! ما حدن يخبرنا أن السلبطة على وزارة المال ضمنت حقوق الشيعة. أبداً لا يحمي المواطن في جهات لبنان الأربع إلاّ الدولة ودستورها وقوى عسكرية تلتزم تنفيذ القرار السياسي للسلطة المنتخبة وقضاء عادل ينهض باعبائبه أصحاب الضمائر!

يبقى حزب السلاح الإيراني فقد شكره قاليباف على خوضه حرب دعم الجمهورية الإسلامية وكفى!

وكلن يعني كلن، حزب السلاح الإيراني ومنظومة الفساد التي تساكنت مع الإحتلالات والسلاح اللاشرعي، وما تستثني حدن منن.

شارك الخبر على:
Facebook
WhatsApp
X
Telegram