كتب بودوان عبد النور
يرى كثيرون أن إضعاف حزب الله يؤدي تلقائياً إلى تعزيز موقع رئيس مجلس النواب نبيه بري داخل البيئة الشيعية، إلا أن هذه القراءة تتجاهل حقيقة أساسية مفادها أن نفوذ بري السياسي خلال العقود الماضية كان قائماً إلى حدّ كبير على معادلة السلاح الذي يمتلكه الحزب.
ففي الوقت الذي قدّم فيه حزب الله الطائفة الشيعية وقوداً لمشاريع إيران الإقليمية، لعب نبيه بري دوراً مختلفاً، لكنه لم يكن أقل تأثيراً. فقد عمل طوال سنوات كوسيط بين الحزب والدولة اللبنانية، وبين الحزب والمجتمع الدولي، مستفيداً من فائض القوة الذي وفره السلاح لتعزيز موقعه داخل النظام السياسي اللبناني.
أوحى بري للبنانيين بأنه القادر على ضبط الحزب وعقلنة قراراته، فيما كان في الوقت نفسه يشكل غطاءً سياسياً له داخل البرلمان ومؤسسات الدولة ومنظومة الحكم. ومنذ عام 2005، قامت قوته السياسية على هذه المعادلة التي يصعب استمرارها في حال تراجع دور السلاح أو سقوطه.
التجربة نفسها يمكن مقاربتها مع الزعيم الدرزي وليد جنبلاط. فالعصر الذهبي لزعامته ارتبط بالوصاية السورية على لبنان. وبعد انسحاب الجيش السوري عام 2005، حاول التموضع ضمن المشروع السيادي الجديد، لكنه لم يستطع استعادة الدور الذي وفرته له دمشق سابقاً، فعاد إلى سياسة التموضع بين المحاور الإقليمية، متنقلاً بين اتجاهات متناقضة وفقاً للمتغيرات السياسية.
اليوم يواجه جنبلاط، كما بري، تحديات تتعلق بمستقبل الزعامة وبعملية التوريث السياسي في ظل بيئة إقليمية ومحلية مختلفة جذرياً عن تلك التي صنعت نفوذهما. كما يواجه كل منهما صعوبة في التأقلم مع التحولات الجارية في المنطقة وانحسار أدوار القوى التقليدية التي وفرت لهما الحماية والدعم لعقود طويلة.
لقد تشابه مسارا الرجلين إلى حد بعيد. كلاهما برز في أواخر سبعينيات القرن الماضي، وكلاهما استفاد من التحولات الكبرى التي شهدها لبنان خلال الحرب الأهلية وما بعدها. كما التقيا في محطات وتحالفات عديدة، من مرحلة النفوذ السوري إلى التحالفات الإقليمية المختلفة التي حكمت الحياة السياسية اللبنانية لعقود.
ومن هنا، فإن أي تغير جذري في معادلة السلاح أو في موازين القوى الإقليمية لا ينعكس فقط على حزب الله، بل يمتد ليطال البنية السياسية التي نشأت حول هذه المعادلة، وفي مقدمتها موقع نبيه بري ودوره. كما أن التحولات ذاتها تضع وليد جنبلاط أمام تحديات مماثلة تتعلق بمستقبل زعامته ودورها في لبنان الجديد.
في المحصلة، يبدو أن لبنان يدخل مرحلة إعادة تشكيل عميقة لموازين القوى السياسية، قد تفضي تدريجياً إلى تراجع أدوار زعامات ارتبطت نشأتها واستمرارها بمعادلات الوصاية والسلاح، لصالح مشهد سياسي أكثر تقلباً وإعادة تموضع مستمرة.
